فتحْتَ عنوان الدين العام
يحاول الترويج الحكومي، اقناع المواطن المديون "وطالع دينو من الديون
والدين"، بأن خفض الدين العام يتيح انجاز البرامج للمسنين والفقراء وتحسين
مستوى التعليم والتغطية الصحية والطبابة، من دون ان يشرح له كيف يتخلص هو
من ديونه اذا كان غير مسن وقد انهى دروسه واذا كان الصندوق الوطني للضمان
الاجتماعي اوقف تقديمات المرض والامومة والتعويضات العائلية، كما هي الحال
اليوم؟ وتحت عنوان القطاعات الاقتصادية، ربط الترويج الحكومي نجاح هذه
القطاعات بنجاح البداية، اي بداية؟ لا نعلم. وحول الدخل القومي طمأن
الاعلان الحكومي المواطن ان معاشه سيزيد عندما يزيد الدخل القومي، حتما
والقطاعات الاقتصادية تنتظر نجاح البداية لتستطيع ان تزيد المعاشات.
والاصلاح هو بالارقام "مش بالكلام"، كما تؤكد الاعلانات الترويجية الموقعة
بعناوين "باريس 3" والمؤتمر العربي والدولي لدعم لبنان يتوسطها شبح الارزة
الاسود رغم ان الاعلان ملون".
والاصلاح بالارقام يعيد الباحث الى محطات في حدث الدين العام، هو الذي زاد
في 13 عاما نحو 37 مليار دولار اميركي تقريبا بمعدل 2,85 مليار دولار في
السنة، ودفعت عليه خزينة الدولة نحو 30 مليار دولار حتى نهاية ايلول 2006،
فائدة متراكمة وخدمة دين تشكل 75 في المئة من حجم الدين، وهي بمعدل 2,3
مليار دولار، مما جعل عبء الدين (اصولا وخدمة) 5,15 مليارات دولار سنويا.
هذا الدين لم يؤثر في الناتج المحلي او الدخل القومي، ففي الاعوام المريحة
اقتصاديا كانت معدلات النمو تصل الى 16 و12 في المئة، لكن مثل هذه
المعدلات امتصها التضخم والانتكاسات المتلازمة امنيا وسياسيا والمناحرات
الداخلية على جميع الجبهات. فبات الناتج المحلي بالسعر الثابت لعام 1992،
لا يتجاوز 8 مليارات دولار بعدما امتص منه تضخم الاسعار 170 في المئة (126
في المئة بالليرة اللبنانية). لكن الدين بقي جامحا منذ ان خطت الحكومة
اولى خطوات النهوض الاقتصادي، ذلك النهوض الذي علل المواطنين بالازدهار
والرفاهية، فأفقر الكثيرين وأثرى القلة، واعاد بعض المهجرين وهجر الادمغة
والعمالة الماهرة ولم يعد يُغوي الاستثمارات الاجنبية ويغريها، سوى
العقارات، فينشط سوقها خلسة كلما حصلت ازمات داخلية او اضطرابات، او تتوسع
ابراجا تجارية وسياحية ومشاريع سكنية للنخبة الثرية.
تجاه تعاظم الدين العام، سجلت الحكومات منعطفات دراماتيكية لافتة، فشددت
فذلكة الموازنة العامة عام 1997 على ضرورة تقليص حجم الدين العام، بعدما
تم الترويج سابقا للجوء الى الاقتراض بغية اعادة الاعمار. ولم تفلح الدعوة
الى تقليص الدين العام فعاد وتفلت من قمقم الحصر والضغط ونسيان الوعود
الاصلاحية فتكرر الاسف في فذلكة موازنة السنة التالية، الى ان نعى "برنامج
عمل الحكومة اللبنانية للتصحيح المالي" – وقد وضعته حكومة الرئيس سليم
الحص ولم يتسن لها تنفيذه – الواقع المالي الذي بلغته الموازنة والواقع
الاقتصادي الذي جر البلاد الى الشلل والجمود. تلا هذه المواقف اجراءات
أعلنها في الورقة الاقتصادية لمؤتمر باريس 2 وفي البيانات الوزارية
اللاحقة، وكان لحكومتي الرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي الاستثنائيتين،
مواقف اصلاحية اجهضت ولم يؤخذ بها.
فالاقناع الذي تبحث عنه الحكومة، تحت غطاء مؤتمر باريس 3، قد يكون صدر هذه
المرة عن نية صادقة وراغبة في العمل وترجمة الاقتراحات عمليا. لكن الا
يجوز للمواطن المدرك ان يشك في النيات، بعد ان تبخرت الوعود على مدى 15
عاما؟ ثم ان الحصول على اموال ومساعدات لا يعني بالضرورة مساعدة القطاعات
الاقتصادية، هذه المساعدة التي كانت مدرجة في جداول اعمال الوزارات
المتعاقبة وبرامج الاعمار، اسقطها توجه الحكومات نحو الانفتاح الخارجي غير
المشروط مما اوقع قطاعات الانتاج في ازمة خانقة جراء الاغراق المنافس في
السعر وغير المضبوط بالمواصفات القياسية، والشواهد كثيرة.
ثم ان الحكومات قاربت الشأن الصحي جانبيا، فعزمت الموارد المالية الى حيث
يمكن اهدارها وتخاذلت عن الالتزام بواجباتها تجاه العاملين لديها
المنتسبين الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولم تلتزم له بدفع
مساهمتها عن بعض الجهات المنتسبة اليه مثل سائقي السيارات وطلاب الجامعات
والعمال الزراعيين والمنتسبين الاختياريين، وتركت 55 في المئة من
اللبنانيين محرومين من اي تأمين صحي من بينهم 142 الفا تتجاوز اعمارهم 64
سنة. ويلاحظ ان 24 في المئة يفيدون من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
اضافة الى 8,5 في المئة يفيدون من تأمين صحي خاص، فيبقى على عاتق الدولة
12,5 في المئة من اللبنانيين، منهم 9 في المئة جيش وقوى امنية. فبات
المطلوب ان تتبنى الحكومة ما كان بدأه الوزير السابق كرم كرم حول البطاقة
الصحية او ما وعد به وزير الصحة المستقيل الدكتور محمد خليفة في هذا
المجال، والعمل على استغلال الاموال التي تخصصها الموازنة للشأن الصحي
لتحقيق جدوى صحية اكثر شمولا واكثر فائدة.
ولعل اقصى درجات الترويج التمويهي، محاولة اقناع المواطنين، ان زيادة
الناتج الداخلي القائم او الدخل القومي القائم، يزيد دخله المالي السنوي.
صحيح ان نصيب الفرد يزيد بحسب المقاربة النظرية. فاذا قيل ان الناتج
الداخلي للفرد ارتفع من 1,2 الف دولار الى 4,5 آلاف دولار، في فترة ما بعد
الحرب، فلا يعني ان كل فرد في الوطن الصغير يحقق هذا المبلغ ولو كان ابن
يوم. فالثروة لدى القلة غير المحددة في غياب الاحصاءات او تغييب بعض
المؤشرات الدالة. واجراء اي مسح حول معرفة احوال المعيشة للبنانيين، بما
فيه تحديد دخل الفرد والاسرة، يبقى هشا، ما لم يشمل اصحاب المؤسسات وكبار
المديرين فيها. هؤلاء لا يصرحون بدخلهم المالي لاي كان، لذا يبقى توزيع
الاسر والافراد بحسب شرائح الدخل شأنا غير ممسوك في لبنان، لكن في الدول
المتقدمة يُعلن عن دخل هؤلاء في وسائل الاعلام، ويعاقب من يخفي دخله عن
الاجهزة الضريبية.
من هذا المنطلق، لا يعود الترويج الاعلاني جديا في شأن الضرائب التي تطول
الغني اكثر من الفقير. فالجهات الرقابية على الضرائب، لا تضبط الوضع جيدا،
لاسباب منها ما يعود الى اتساع مجال الارتشاء بغية تخفيف العبء الضريبي عن
كاهل الثري، في غياب تام للمساءلة الادارية الحازمة، والكشف المتواصل
لتطور الاحوال المعيشية لبعض الموظفين المعنيين في القطاع العام، ومراقبة
ازدياد ملكياتهم العقارية والكماليات والودائع المصرفية.
أخطر ما في مؤتمر باريس 3 ان الحكومة لا تعرف ان تروج له، بالفصل اولا بين
المؤتمر، وغايته مساعدة لبنان باموال هي قروض ميسرة او هبات لتسديد ما
عليه من ديون عامة تستحق هذه السنة، وبين البرنامج الاصلاحي الذي تحتاج كل
فقرة فيه الى مزيد من التفصيل وترجمتها بوضع الآليات القانونية لها، ولذا
تتم لقاءات بين وزيري المال والشؤون الاجتماعية لدرس تحسين الشأن
الاجتماعي. وتسعى الفاعليات الاقتصادية الى ادخال تعديلات على البرنامج،
علما ان البرنامج كله يحتاج الى إقراره في مجلس النواب.
|