untitled
viviti
يروي الموت!
Annahar 13 تشرين الأول 2006
تلتقي به دائما في "الاسكوا" حيث خيمة الاهالي، يتنقل بينهم. لا يفارقهم البتة. يحدثهم ويواسيهم، هو الذي يحتاج الى مَن يواسيه. هو دوري نمورة العريف المتقاعد الذي نجا من دير القلعة – بيت مري. كان ضمن الكتيبة 105، اي اللواء العاشر المتمركز في الدير، وهو اليوم وحيد. وضعه الصحي دقيق. يقول: "انا تعيس جدا. اشعر بان كل الدنيا بعدت عني".

تجلس معه فتشعر انه شاهد الموت لا بل عايشه قبل 16 عاما، وهو الآن يرويه. "التاسعة صباح السبت 13 تشرين الاول، اجتاحت القوات السورية الدير، وكان عناصر الكتيبة يجلسون في القبو، فأرغمهم السوريون على الركوع بعدما رموا قنبلة.

للوهلة الاولى، حاولت ابعادها والنهوض مسرعا، لكني لم استطع. لم يكن معنا في القبو الابوان البر شرفان وسليمان ابو خليل بل كانا في الدير".

نمورة لم يمت، فكأن قدره ان يتكلم بعد 16 عاما ويعطي شهادة عن نموذج التعذيب والذل في زمن الاحتلال. تنظر الى عينيه فترى المعارك والهمجية السورية. تراقب يديه فتلاحظ الارتعاش الدائم. تحدق بوجهه فيبدو لك هول الصدمة كبيرا جدا. يصمت ثم يقول بصوت منخفض: "ضربوني. ادخلوني حماما صغيرا داخل القبو، فيما العبارات النابية تنهال عليّ من كل حدب وصوب (...) يلّلا يا حقير(...)، وبعد حوالى ساعة، بدأ عدد عناصر الجيش اللبناني يتزايد اذ كانت القوات السورية تأسر في الدير اعدادا اضافية آتية من مواقع اخرى".

لحظات ونُقل نمورة برفقة العسكريين الى متراس صغير وُضع على طرف الدير، كان القصف من كل اتجاه حتى بتغطية مدافع احدى الميليشيات. حوصروا هناك وجمعوا فوق بعضهم البعض، ويلفت نمورة الى ان الابوين لم يُنقلا الى المتراس، بل شاهدهما على درج الدير، وهو يدخل المتراس. "هناك كنت اسمع اصواتا لا بل انيناً لشدة الضرب والتعذيب.
كنت معصوب العينين، والقوات السورية ترمي علينا قنابل يدوية مميتة واحدة تلو الاخرى".
نمورة يتحفظ عن ذكر احد العسكريين الذين كان معهم، ويشدد على انهم بقوا على هذا الوضع في المتراس حتى الخامسة صباح 14 تشرين الاول. استفاق نمورة بعدما ظن السوريون انه مات، فحاول ان ينقذ بعض رفاقه الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة، لكنه عجز، لان لا قوة له، فكان ان هرب وحيدا، زاحفا على رجليه، وهنا بدأت الرحلة الثانية من المعاناة.

يروي: "زحفت، وكان الدم يسيل من اذني وانفي ورأسي ورجلي. كنت اصلّي وانا اهرب في الحرج حتى وصلت الثانية والنصف بعد الظهر الى احد البيوت في دير القلعة. هناك شاهدت المنازل المهدمة وآثار المعارك. وصودف ان التقيت بفتاة من عائلة ابو سمرا كنت اعرف اباها، فقصدت منزله وبقيت حتى المساء، قبل ان تنقلني العائلة بمساعدة فريق الاغاثة في الجيش الى مستشفى بيروت".
منذ ذلك التاريخ، ونمورة يخضع للعلاج، اذ اجريت له 19 عملية. عمل في دهان الموبيليا ثم في احد المستودعات، واليوم هو بلا عمل، ويقبض 327 الف ليرة شهريا، والادوية تكلفه مليون ليرة.

وبعدما كان عريفا في الجيش، قاتل في اشرس المعارك ضمن مراقبة المدفعية، فُصل عام 1994 بحجة انه "قاتل دولة صديقة" وانه يعاني اضطرابات نفسية، لكنه فخور في قرارة نفسه لانه "دافع عن الوطن".

فخره هذا لا يخفي مرارة موجعة. يقول: "احيانا لا اجد معي 250 ليرة (...) انا مؤمن بما فعلت. يكفي انني بقيت حيا".

هكذا تشعر ان عنفوان العسكر سرعان ما يغلب ضعف الانسان، يضيف نمورة: "ثمة رسالة علي ان اؤديها. انا بقيت حيا"، فتفهم عندها ان ذلك اعظم رسالة، هو لم يمت ربما كي يروي شهادة للتاريخ، عله يتكلم باسم جميع المفقودين والمعتقلين الذين لا يزالون في غياهب السجون، وباتوا ليس فقط اسرى الاحتلال، بل اسرى المتاجرة والاهمال...

Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com