untitled
viviti
الذبيحة
دايانا ديب 13 تشرين الأول 2006
السوريون هنا!! إنهم هنا!!
في الساعة السابعة تماما ً، كان الجيش السوري يتحرّك والقاذفات من نوع سوخويّ تنقضّ من الجوّ. إستمرّت الغارات إثنتيّن وعشرون دقيقة والمقاتلات السوخويّ تطلق البالونات الحراريّة وقنابلها في نفس الوقت على دير الأنطونيّة، قصر بعبدا ووزراة الدفاع في اليرزة.

وفي الجهة الأخرى من الجبهة، كان العماد عون واقفاً في القصر عندما سمع الطائرات السورية تحلق فوق بعبدا وتقصف المنطقة وفي لحظات معدودة أفرغت المدافع السورية رشقة من عشرات آلاف القذائف على المناطق الحرة فكانت كل أسلحة الدفاع حول القصر تطلق نيرانها. طائرة سوخويّ تحولت إلى حزمة مشتعلة وتحطّمت في وادي المونتفردي بين بيت مري والشوف.

عند الساعة السابعة والنصف كانت كل الجبهات ما زالت صامدة بوجه الهجوم السوري واتصل العماد عون بالسفير الفرنسي وهو شاهد متميّز على الأحداث مبلّغاً إياه أن خطة الخلاص بنقاطها التسعة قد سقطت وكما كان مخططاً إعتبر عون نفسه مهزوماً وطلب من السفير رينيه ألا مفاوضة وقف إطلاق النار مع السلطات المختصة كما طلب أن يلتقي بممثل رسميّ عن جيش لحود لنقل السلطة إليه وكان غير وارد تماماً أن يجتاز ولو سوري واحد المنطقة.
لكن خطة السوريين كانت أبعد من إتفاق الطائف إذ أرادوا أن يدمّروا الجيش اللبناني وأن يدخلوا إلى قلب وزارة الدفاع والقصر الجمهوري لوضع اليد على مجموعة الأرشيف والملفات فخدعوا رينيه ألا. لذلك طلب الهراوي من السفير الفرنسي أن يحضر العماد عون بنفسه إلى السفارة الفرنسية عند إعلان وقف إطلاق النار.

في هذا الوقت كانت المعارك تعنف في سوق الغرب، ضهر الوحش، بسوس، كفرشيما وتقريبا ً في كل الضاحية الجنوبيّة. هاج الجيش السوري فكانت ساعة الذبيحة! مارس الجيش السوري أسوأ أنواع التعذيب والقتل غير آبهاً بوقف إطلاق النار وبإتفافية جنيف وبين التاسعة والنصف والثانية بعد الظهر أعدم عشرات المدنيين على كل الجبهات كبسوس أعدم ستة عشر مدنياً بدم بارد في منازلهم وتلة تمز شنق أربع جنود وضهر الوحش أعدم ثلاثون جندياً وبيت مري دير القلعة أعدم كاهنان وطاهية وعشر جنود وتمّت هذه الجرائم بعد أن سلمّ الجنود أنفسهم!

تجنبّا ً لحمام الدمّ، طلب العماد عون من جيشه الخضوع لأوامر الجنرال لحود: "هنا الجنرال لحود، إنيّ أصل في الحال، السوريون لن يضعوا أقدامهم لا في بعبدا ولا في اليرزة. إنيّ أعاهدكم على ذلك". فإذ بمئات من جنود القوات الخاصة التابعة لحافظ الأسد يتقدمون باتجاه بعبدا عن طريق الغابة مجهّزين بأفضل ما يكون من التجهيز العسكريّ. الجزمة السوريّة كانت تدوس الأرض اللبنانيّة من كنائس ومستشفيات ومدارس ومصانع قصفت بوحشيّة. كذلك دنسّ قبر الشيخ بيار والرئيس بشير جميل ودمرّت قرية ضهر الصوّان وتعرّض معهد الآباء اليسوعيين في الجمهور لقصف وحشيّ تضررّت جميع صفوفه. أمّا مطبعة الآباء اليسوعيين، وهي الأقدم والأغلى قيمة في الشرق، فككّت ونهبت على مرأى الآباء. في الحدث سرقات، اغتصابات وجرائم قتل، في وزارة الدفاع في اليرزة نهبت تماما ً. أمّا الجنود فكانوا قد استسلموا فقتلوا رميا ً بالرصاص وبعضهم عُرّوا من ملابسهم وأجبروا على السير أو الزحف عراة وأحذيتهم في أفواههم.

وأخيرا ً دخلوا قصر الشعب بقيادة اللواء السوري، علي ديب، الذي انحنى أمام زوجة العماد عون، ناديا عون، الجسورة الساهرة على شؤون بيتها المحصنّ تحت الأرض وقال لها: "أعتذر لدخولي بهذه الطريقة عليك، أنت السيدة، إننيّ أحترمك كما لو كنت أميّ، وبناتك أعزّ عليّ من بناتي، إنيّ أعجب جداً بالجنرال، هذا الجنديّ الجسور، وصديّقيني بأنيّ غالباً ما شربت نخبه. أتمنى لو أستقبله في منزلي... يا للخسارة أن يشنّ علينا الحرب رجل بهذه الشجاعة!"

غادرت حينها السيدة ناديا وبناتها نحو السفارة الفرنسية. في حين تعاظم العقيد السوري رياض عباس على قصر الشعب "مغارة الأحلام" فانتزع كل شيء، أبواب، أجهزة تلفزيون، مصابيح كهربائيّة، آلات إستنساخ، أسلاك الوصل، آلات كاتبة، ملفات، مكاتب، كراسي، مكتبات ونقلت الغنيمة توّاً إلى دمشق. عندما خيّم ليل الشرق على هذا الكابوس، إتصل الرئيس الهراوي هاتفيا ً بحافظ الأسد شاكرا ً إياه على كل ما فعله في لبنان ولوحدة الجيش!

لا يمكن أن يمر ١٣ تشرين الأول من دون تذكّر المعتقلين في السجون السورية، ولا سيما من اعتُقل من العسكريين في ذلك التاريخ، ومن لا تزال معاناتهم مستمرة. إن المعاناة صعبة والجرح عميق والرغبة في رؤية الأحبّاء كبيرة جدا ً وهي تميل إلى أن تزداد قوة حتى بعد مرور أعوام طويلة على إعتقالهم فهم موجودون في ذاكرة الأمهات وكم من أمّ توفت قبل أن تشاهد حبيبها في الهواء الذي يتنشقونه، في أثاث المنزل وفي أغراضهم التي تركوها ولن يشفى الأهل من سلبيات هذه المأساة إلاّ عند معرفة مصير أحبّائهم الذين ستبقى أسماءهم محفورة في الذاكرة الوطنيّة اللبنانيّة. لقد تعرض المعتقلون اللبنانيون لإنتهاك حقوقهم مرتين، في المرة الاولى عندما اعتقلتهم الأجهزة الأمنية السورية خلافاً للقوانين اللبنانية والدولية وحرمتهم من حقهم بالحرية، والمرة الثانية عندما أمعنت السلطات اللبنانية بتجاهل قضيتهم ونفيها وتجاهل عائلاتهم ومطالبها المحقة في معرفة مصير أبنائها. إنّ المعتقلين في السجون السوريّة هم ضحايا إخفاء قسري واعتقال إعتباطي في مراكز الإعتقال السرية داخل سوريا. للأسف مرّةً أخرى، فإنّ السلطة اللبنانية التي يجب أن تكون المعنية الأساسية بهذا الموضوع، باتت اليوم الجمهور الصامت والمهرجّ في آن ٍ معا ً. لا يخطر على بالها أن تفكرّ باستعادة المعتقلين اللبنانيين، فتقف صامتتا ً على منبرها ممّا يدعو اللبنانيين إلى الضحك من اليأس والحزن على تلك الفرقة من المهرّجين الصامتين. .

للأسف، تبقى قضية المعتقلين اللبنانيين كالجرح النازف في الجسد اللبناني، حيث أنه حتى الآن لم تتمّ إماطة اللثام عن هذه القضية الإنسانية والوطنية رغم الجهود المضنية التي قامت لجنة أهالي المعتقلين وسائر المنظمات العربية والدولية.
شهداء، معتقلون، ضحايا اعتداء ومعاناة مستمرة... من حقبة عمرها ١٦ عاما ً، واجهها لبنانيون بتضحيات جمّة فكان أن ثبّت عسكر ومدنيون حق الوطن في استقلاله، فيما انتظر آخرون "زلزالا ً سياسيا ً" ليكتشفوا ظلم الوصاية!!! لكن الذبيحة وقعت مع الأسف!!!

Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com