ليلى نقولا الرحباني
أوردت الصحف اللبنانية خبراً خطيراً جداً وتداولته بدون رد من الجهة
المعنية، يقول "أن قوى الأكثرية كلّفت أحد النواب السابقين إعداد مخرج
دستوري تستطيع من خلاله عقد جلسة لمجلس النواب برئاسة نائب رئيس المجلس
فريد مكاري متخطين بذلك الرئيس بري، مقابل ماية وخمسون ألف دولار أميركي".
|
|
هذا ما كان ينقص المؤسسات الدستورية في لبنان!! فالرئاسة الاولى مطعون
بشرعيتها على أثر التمديد للرئيس لحود والعزلة الدولية التي استطاعت
الأكثرية فرضها عليه... الحكومة مطعون بشرعيتها أيضاً بعدما استقال
الوزراء الشيعة منها، وبعدما أحرجتها المعارضة وأظهرتها فاقدة للشرعية
الشعبية من خلال إنزال مليون ونصف مليون لبناني الى الشارع مطالبين
برحيلها. وكان قد تبقى للبنانيين "السلطة الثانية" كمؤسسة دستورية غير
مطعون بشرعيتها، بالرغم من الانتقادات التي طالت وصول هؤلاء النواب من
خلال قانون مجحف لا يمثل اللبنانيين حق تمثيل، وبالرغم من عدم بتّ مسألة
الطعون بعدما عطلّت الأكثرية المجلس الدستوري.
" فتوى دستورية" بـ 150 ألف دولار" !!! لو كان الأمر دستورياً فعلاً لما
استوجب هذا المبلغ الكبير. هذا نموذج من نماذج "ثقافة الفساد" التي استشرت
في لبنان بعد اتفاق الطائف في أبشع صورها، إذ ساد بنوده الغموض، مما سيؤدي
بالقوانين والمواد الدستورية، إذا ما استمرت في منحاها الانحداري، للطرح
في المزاد العلني بعد فترة وجيزة!!
|
الفساد في لبنان ليس
جديداً، بل كان معروفاً دائماً الى درجة القبول به والتسامح معه منذ أيام
العثمانيين ثم خلال الانتداب الفرنسي والعهود الاستقلالية التي تلته، وإذا
كان العهد الشهابي قد تميّز عن غيره بانحسار آفة الرشوة واستغلال النفوذ
نسبياً، إلا أنه اتسم باتساع نفوذ المخابرات أو ما كان يُعرف آنذاك بـ "
المكتب الثاني" والتضييق على الحريات المدنية والاعلامية. لكن فساد
"جمهوريات الطائف" طغى على كل ما عداه، وجعل اللبنانيون يترحمون على كل ما
سبقها. فالفساد بلغ جميع المستويات تقريباً، وتحول "مؤسسة" بكل ما للكلمة
من معنى،
إذ قضت التسوية في الطائف بتقاسم وتوزيع جديد للسلطة، وإدخال أمراء الحرب
وزعماء الميليشيات، والقوى الرأسمالية الجديدة من مقاولي المال والأعمال
الى الحكم في لبنان، جنباً الى جنب مع الإقطاع التقليدي، وهؤلاء لم
يتوانوا لحظة عن التحالف مع القوى السورية المسيطرة لتقاسم ثروات البلاد
ونهبها سوياً.
سيطر السوريون وقوى الحرب والمال على مقادير الحكم، ونقل أمراء الحرب
صراعهم من الشوارع الى المؤسسات، وكوّنوا ميليشياتهم داخلها، فتعطلت
المساءلة والمحاسبة، وبات الفساد والرشوة والسرقة "شطارة".إنه نوع من
الحكم الذي عمّم الفساد من القمة الى القاعدة لتعزيز نوع من المساواة التي
تفرض على الجمهور الصمت، طالما يتنعم هو بقدر منه أو بسبب خوف أو لعدم
الاقتناع بجدوى الشكوى.
في هذا الاطار، يحدد أحد أبرز المنظرين للقوى الحكومية،الدكتور انطوان
مسرة استشراء الفساد في لبنان منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي ، أي بعدما
وضعت الحرب أوزارها وانتقلت البلاد الى مرحلة السلم المفترض، فيقول " ان
الفساد انتشر في هذه الحقبة بشكل غير مسبوق حتى في أصعب أعوام الحرب، وخير
دليل على ذلك ارتفاع الدين العام وانتشار الزبائنية، فاللبنانيون لم
يكونوا فاسدين الى هذا الحد، بل كانوا يحترمون تقاليد التقيد بالقانون،
وكانت الطبقة السياسية، رغم بعض عيوبها، تحترم الشأن العام . لكن بعد 1990
جاءت طبقة سياسية بعقلية ميليشيوية أضفيت عليها الشرعية وتسلحت بها
لممارسة فسادها". ويضيف: "شهدت فلسفة التسوية التي يقوم عليها النظام
اللبناني، والتي كانت تشكل دائماً السبيل الى الخروج من المآزق انحرافا
خطيراً لتحل مكانها المساومة، فعندما نقول "هذا عمل غير قانوني" تأتي
الاجابة سريعاً " نقوننه" الى أن وصلنا الى حد أصبح فيه كل شيء قابلاً
للتفاوض".
هذا بالتحديد ما تقوم به السلطة الحاكمة في لبنان اليوم، تقونن حسب
احتياجاتها، وتُصدر فتاوى دستورية غب الطلب، وما الذي يمنعها من القيام
بذلك، فهي امتداد للحكم الذي سيطر على لبنان منذ عام 1992، وإذا راجعنا
أسماء الوزراء والقوى السياسية والحزبية التي شكلّت الحكومات اللبنانية
على مدى عقد ونيف من الزمن، لوجدنا أن الاسماء إما هي نفسها أو تغير بعض
الأسماء لكن من ضمن الجهة السياسية ذاتها.
إن الأسس الديمقراطية وحدها لا يمكنها توفير الحكم الصالح والتصدي للفساد
في لبنان، فهي عبارة عن منظومة وآليات يمكن للمفسدين أن يعطلوا من مفعولها
الحقيقي أو يحركوه في الاتجاه المعاكس. وما يحاول فريق السلطة القيام به
اليوم من افساد للديمقراطية عبر إسقاط شرعية المجلس النيابي هو أشد خطراً
من فرض نظام شمولي، فالأنظمة الشمولية لا تحتاج الى عناء لتعبئة الرأي
العام ضدها، لكن إفساد الديمقراطية من شأنه زعزعة ثقة الناس بها وإيمانهم
بجدواها وقدرتها على توفير الرفاه والحرية.
أثبتت التجارب أن كافة المجتمعات الانسانية في الشرق والغرب، وخلال
تاريخها الطويل، تحتوي على قدر معين من الفساد ، إذ لا يوجد على وجه
البسيطة ذلك "المجتمع الفاضل" الذي يخلو من الفساد والمفسدين. لكن القضية
الكبرى التي من المفترض أن تشغل بال المسؤولين في لبنان اليوم، والتي باتت
من أكثر القضايا الحاحاً، ليست بالتحديد وجود قدر معين من الفساد في
معاملاتنا اليومية، بل حجم الفساد واتساع دائرته وتشابك حلقاته وترابط
آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، إذ أننا نشهد خرقاً هائلاً للدستور
والقوانين مما يهدد مسيرة ومستقبل الوطن في الصميم.
|