untitled
viviti
صرخة أصمّ
علي جابر جابر 07 كانون الثاني 2007
الآن أدركت أني ما عدت أنفع.
الآن عرفت أن الليل الذي كنت أسهّره معي على طاولة الفكر كان يجاملني.

الآن أشعر بثقل الكف الذي بغت خدّي لأنني كلمات الاملاء لم أسمع.
الآن استوعبت أني اذا كنت أصمّا ، ولو أبحرت في بحور العلم... سأغرق.
الآن انكشف الستار، بعدما تجرّعت مرارة الحياة وأنا أراقب الناس كيف يتمتمون.
الآن فهمت أن كامل الأوصاف ... انسان.


الآن بعدما تسلّقت القمم وحصدت النجاح، أدركت أنني ما دمت في هذه الجمهورية التي تدّعي انها ديموقراطية، ممنوع التفاؤل.. ممنوع للأخرس أن يتكلّم... ممنوع للأصمّ أن يسمع... ممنوع للفقير أن يشكو.

يا قادة لبنان العظيم! أخبروني ما مشكلتي... بل انقذوني.
ألأنني أضع سمّاعة في أذني، ممنوع عليّ أن أمارس مهنتي، ممنوع ان أتقدّم الى الأمن العام، ممنوع حتّى أن أتنفّس، ام لأنني خضت امتحان الثانوية العامة بنجاح يوم قرّر اله العالمين أن يضمّ والدي الى جواره، بعد ان توجّهت الى التعليم المهني وحصلت على شهادة الامتياز الفني في اختصاص المراجعة والخبرة في المحاسبة، لا لأنني لم أكن طموحا ولا لأنني لم استطع مواجهة التحديّات، بل لأن القدر شاء الآّ أكون في الجامعات التي وللأسف هي فقط جامعة الأغنياء.
لست أفهم... ما من وظيفة الاّ وعليّ أن ألجأ الى من أتوسّل اليه كي يساعدني في الحصول عليها،
لى من أنتظره خلف الباب ليحين دوري في الرجاء، وأخيرا أعود ليخبرني أن التعليم المهني فاشل وأن الشهادة الرسمية التي حصلت عليها لا تخوّلني أن أكون موظّفا في أي مصرف أو في أي شركة، ليعود ويصارحني مرة أخرى أنّ السمّاعة التي في أذني هي عائق مستقبلي.
أيّ مغالة هذه! لست أفهم...

أم أيّ دولة هذه.. ممنوع عليّ أن أعادل شهادتي لأشقّ حلمي، بل عليّ أن أبقى حيث أنا، لأن الحلم في لبنان وهم، لأن الطريق الى الدكتوراه هي من حق طلاب الجامعات فقط، انما نحن الذين اجتزنا الامتحانات الرسمية بجدارة، علينا ان نتأمل غيرنا كيف يحلّق، كيف يذرف دموع الفرح.

غريب! على دولة الثقافة، أن تقف في وجه الطموح ، عارٌ على دولة انطلقت منها الأبجدية ان تزجّ الأحلام داخل السجون، بل عارٌ على دولة تقف في وجه الطائفية وهي تعتمد أسلوب التمييز بين غنيّ وفقير، بين أصمّ وسليم.

أكثر ما يثير اشمئزازي.. انني الآن عرفت بعدما اجتزت المحن، وبعد ان قررت متابعة التحصيل العلمي للحصول على الاجازة الفنية، أن الحصول على الماجيسيتير مستحيل، واذا كنت أريد أن أحطّم هذه الاستحالة عليّ أن أعود أربعة أعوام الى الوراء، بل عليّ أن أدفع الملايين، لأعود الى نقطة الانطلاق، كأن العيش في هذا البلد فقط من حقّ الأغنياء.

أكثر ما يثير اشمئزازي... انني الآن عرفت بعدما غدوت في السنة الثانية في الأدب العربي، أن كلماتي خارجة عن نطاق الشعر، بل لأنني لم أتّبع بحوره، ولم ألتزم بالأوزان.
يا قادة لبنان العظيم ويا شعراء الأرز المتين... أخبروني! كيف أصوغ الأوجاع وهي خارجة من الصميم.

ما أعرفه أنني فقير.. وعليّ أن أدفع الثمن، ثمن تجاويف العيون التي سهرت معي في قراءة التاريخ.
ما أدركه أنني أصم... وعليّ أن أقبع في زاوية ، وأن أتّكل على أمّي في المصروف.

لكن ما لا تعرفونه أيها القادة العظماء أنني أعلّم البليغ كيف ينطق.. والأرض كيف تهتز.. لذا لا تحسبوا هدوء البحر في فصل الشتاء.

Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com