الخلاف القانوني
والدستوري على تأليف ذات الطابع الدولي والاجتهادات المتعارضة التي برزت
في اليومين الاخيرين اضافت إلى حالة التأجيج القائمة، مزيداً من الاحتقان
والتصعيد غير المسبوق في السجالات البالغة الحدة، حيث أصبح الوطن رهينة
أنواع جديدة من الصراعات، تضع لبنان من جديد في عين العاصفة.
|
|
وسواء "نجح" الرئيس نبيه بري بالدعوة الى التشاور بين الزعماء
اللبنانيين، و"نجح" تجمع 14 آذار بدوره في تأجيل الجلوس الى الطاولة
عينها، التي شهدت حلقات مسلسل الحوار الوطني، ونقل الموعد من امس الأول
الاثنين، كما كان مقرراً، الى يوم الاثنين المقبل، فإن سمة المرحلة الخطرة
التي يعايشها الوطن لا تزال ضمن اطار تسجيل الاهداف والمواقف، دون ادراك
اكثر من طرف مدى دقة الظروف الراهنة، والتداعيات المرتقبة لعملية التجاذب
الحاد التي سقط الوطن رهينة لها من جديد.
فالمسألة لا تقتصر على وجود بعض الاقطاب خارج البلاد كمبرر لتأجيل
التشاور، بل لان كل الطروحات المتداولة على الساحة اللبنانية يُتعاطى معها
من باب الارباح والخسائر وسط الصراع القائم للتأكيد ان الغلبة يجب ان تكون
لهذا الفريق دون الآخر، والعكس هو الصحيح في اوج حالة محزنة من التخوين
وشخصنة الامور والتشرذم الوطني غير المسبوق بهذه الحدة وهذه الشدة وكأن
لبنان يسير نحو حرب جديدة او اكثر، وليس خارجاً من حرب مدمرة يحتاج التئام
الجراحات الثخينة التي خلفتها الى وقت طويل من المعالجة للشفاء منها.
|
وفي رأينا المتواضع ان
درجة التشنج القائم لجهة مطلب تأليف حكومة وحدة وطنية – على سبيل المثال
لا الحصر – تخف كثيراً عندما يعتبر المعترضون على توسيع الحكومة الحالية
انها ليست هزيمة منكرة، وعندما يعتبر الراغبون في المشاركة في الحكم وفي
الحكومة تحديداً انها مشاركة في تحمل المسؤوليات الجسيمة في هذا الظرف
المصيري، وليس في الامر كسب سياسي يقاس على حسابات زواريب السياسة
اللبنانية الضيقة.
قد يكون مثل هذا الكلام فيه نوع من الطوباوية، لكن وجود الوطن في هذا
المأزق الحرج يستوجب بذل كل جهد ممكن لاخراج لبنان مما هو فيه.
ان الوضع القائم يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات... هذه عبارة اصبحت
ملازمة لحالة اجتياح الوطن ولحالة الاحتقان الراهنة، وهي واحدة من محطات
الكلام التي يلجأ اليها اكثر من طرف في لبنان لإضافة المزيد من التهويل
والتخويف مما هو مقبل على الوطن، لتبدو الصورة وكأنها مرحلة انتقال وعبور
من حروب الآخرين على ارض لبنان، الى مرحلة حروب اللبنانيين انفسهم من اجل
الآخرين من اطراف اقليميين ودوليين.
وفي الاقتراب اكثر فأكثر من التفاصيل، هنالك العديد من الامور والوقائع
التي يجب التعرض لها.
فقد قالت كوندوليزا رايس في لقائها المتلفز مع الزميلة مي شدياق في جملة
ما قالته ان لديها معلومات عن محاولة بعض الاطراف اثارة الاضطرابات من
جديد في لبنان. هل من لائحة اغتيالات جديدة؟ تسأل الزميلة مي وهي على حق
في ذلك باعتبارها الشهيدة الحية، فتجيب الآنسة رايس ربما كان هنالك لائحة
باسماء مرشحة للاغتيال تستهدف بعض الشخصيات اللبنانية، "وعندما نحصل على
مزيد من المعلومات سنبلغها الى السلطات اللبنانية".
مشكورة الآنسة رايس على غيرتها وحرصها على الامن والاستقرار في لبنان من
ضمن التطمينات الاميركية التي تساق الى الوطن الصغير في هذه الايام... لكن
التساؤل البدهي والساذج يقول: من في استطاعته الحصول على لائحة بالمرشحين
للاغتيال – وهنا الحديث عن الولايات المتحدة بطبيعة الحال – الا يستطيع
معرفة من يقف وراء هذه الاغتيالات بشكل اكثر دقة وتحديداً من الاتهامات
التي توجه في المطلق؟
ونقطة أخرى: من حق الرئيس فؤاد السنيورة ان يدافع عن دوره في هذه المرحلة،
لكن رحابة صدره وتعاطيه بسلاسة مع مجريات الاحداث تمكنه من ان يمارس قدراً
اكبر من الانفتاح الذي عرف عنه ودعوة الاطراف اللبنانية الاخرى للمشاركة
في الحكومة دون أن يعني ذلك فشلاً شخصياً له. فهو عائد الى رئاسة الحكومة
ويمكن قبل الاقدام على اي تغيير حكومي ان يتم التوافق المسبق على شكلها
وعلى السياسة التي يجب اعتمادها بما في ذلك قضايا المحكمة ذات الطابع
الدولي الى مؤتمر باريس – 3 الى... الى... فتكون بذلك حكومة اكثر تماسكاً
من القائمة واكثر استعدادا لمواجهة متطلبات المرحلة وما اكثرها.
وصحيح ما قاله الرئيس السنيورة قبل ايام من "اننا مبحرون جميعاً في زورق
واحد، وان اي مكروه قد يحصل – لا سمح الله – سيصيب الجميع، لكن رحلة هذا
الزورق تحتاج الى المزيد من الامان والضمان لبلوغ مرفأ الحل المنتظر
لمشاكل الوطن وهي اكثر من ان تحصى وتحتاج معالجتها الى جهود الشرائح
السياسية التي لها حيثيات وطنية وتمثيلية معينة.
ونتذكر في هذه المناسبة ما قاله ذات يوم جيمس وولفنسون عندما حضر الى
لبنان وكان لا يزال مسؤولاً في البنك الدولي من "ان لبنان كالمركب
المثقوب".
وفي الانتقال الى الجانب الاقليمي والدولي من الازمة اللبنانية يخشى ان
يدفع لبنان اثماناً جديدة يمكن ان تكون من نتاج تحالفات اقليمية بارزة
(سوريا وايران) او بسبب التبدلات الواضحة في التوتر القائم بين الدول
المحورية في المنطقة ومن أبرزها الفتور بين الرياض ودمشق.
واذا كانت الولايات المتحدة تقدم اليها النصائح من قبل خبراء اميركيين
بارزين كجيمس بيكر بضرورة احداث تغيير في اسلوب التعاطي مع بعض دول
المنطقة الفاعلة والمؤثرة بشكل او بآخر على الساحة اللبنانية، وهذه
النصيحة قدمها بيكر الى الرئيس جورج دبليو بوش بفتح حوار مع دمشق وطهران
واعتبارهما جزءاً من الحل وليس من المشكلة كما جرت العادة في السنوات
القليلة الماضية، آملاً ان ينعكس مثل هذا الحوار على الوضع في العراق الذي
لا يزال يعتبر الأولوية المطلقة لادارة الرئيس بوش، فلماذا لا يتم التفكير
في أسلوب مختلف عما كان معتمداً حتى الآن سعياً وراء تجنيب لبنان هزات
ارتدادية للزلزال الذي حدث في 12 تموز وما خلفته الحرب الاسرائيلية من
دمار في البشر والحجر والاصابة المباشرة في الصيغة البنيوية والكيانية.
وعندما ندرك ما بات معروفاً حراجة الوضع الاميركي وغوصه في مزيد من
الارتباك والتخبط في المستنقع العراقي، وان مصالح الولايات المتحدة قد
تفرض عليها التفاوض مع "الشيطان" في سبيل استدراك النزيف الهائل على
الساحة العراقية، والمعلومات الواردة عن استعادة طالبان بقوتها واعادة
تجميع صفوفها في افغانستان، كل هذه الامور يترابط بعضها ببعض وعملاً
بالشعار المعروف ان ليس هناك من صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح
دائمة، فيجب الا نفاجأ بحدوث تحولات وانعطافات ذات طابع مصيري على الوضع
العام في المنطقة. وعندما نأخذ في الاعتبار الحالة اللبنانية السريعة
العطب ومرحلة السلام الهش (والتعبير لأكثر من زعيم اوروبي بينهم الرئيس
جاك شيراك) ندرك عندها ضرورة الارتقاء الى مستوى دقة التطورات الآتية الى
لبنان وخطورتها واعتماد الخطوات الاستدراكية عكس "الحروب الاستباقية" التي
كلفت الرئيس جورج بوش وسوف تكلفه اكثر فأكثر خلال الايام والاسابيع
القليلة المقبلة.
واذا كانت اميركا قادرة على احتواء فشل سياساتها وتوجهاتها في المنطقة،
وعلى استيعاب الاخطاء القاتلة التي ارتكبت خصوصاً خلال السنوات الخمس
الماضية، فأن الوطن الصغير ليس قادراً على الدخول في رهانات مجهولة
العواقب او كالقفز في المجهول.
ومن وحي زمن البلبلة النووية القائم حالياً نتوقف عند المناورات العسكرية
الواسعة النطاق التي بدأت بالامس في منطقة الخليج بين القوات الاميركية
وقوات العديد من الدول احتجاجاً على امتلاك ايران او غيرها اسلحة الدمار
الشامل لنسأل، هل هذه المناورات يمكن ان تكون "بروفة" او عملية استعراضية
لاشاعة المزيد من اجواء القلق في المنطقة عما يمكن ان تسفر عنه ازمة
التعاطي الاميركي مع الملف الايراني النووي والقائم على الترهيب تارة
والترغيب تارة أخرى؟
ومع هذه المناورات العسكرية المعطوفة عليها المناورات السياسية عادت في
الآونة الاخيرة تسميات اعتقد البعض انها زالت الى غير رجعة. ومن ذلك
"لبننة لبنان" و"عرقنة العراق"، وبلقنة المنطقة، وصفة اللبننة والعرقنة
بالمفهوم السيء والخطر لمرامي مثل هذه التعابير والشعارات حيث يتضح شيئاً
فشيئاً، ان الأمر يتخطى التعابير اللفظية واللغوية الى ما هو اكثر خطورة
على الصعيد العملي. اي ان اللبننة يتم استحضار مضمونها بمعنى الانقسامات،
والعرقنة بمعنى التفتيت وانشاء الكيانات المذهبية، والبلقنة بمعنى انتقال
عدوى الدول المستقلة الى كيانات متناثرة تتقاتل في ما بينها.
ولا يكفي تكرار نفي وقوع التقسيم في هذا البلد او ذاك لئلا يحدث، فمثل هذه
التطورات الانقلابية تفرض نفسها على الدول والشعوب كأمر واقع. حيث لا تنفع
معها ضمانات اقليمية او دولية قاطعة يمكن الاطمئنان اليها والنظر بثقة الى
المستقبل الآتي على اساسها. فالأولوية هي دائماً لمصالح الدول الكبرى حيث
الغاية تبرر الوسيلة وتبرر معها التوصل الى التسويات والى انصاف الحلول.
لبنان باق في عين العاصفة، حيث الاضطراب له وعلى حسابه، وما عدا ذلك
ضمانات غير مضمونة ورعايات غير حاسمة يمكن للوطن الصغير الرهان عليها.
ويبقى ان نعرف كيفية مواجهة متطلبات هذه المرحلة وفي الطليعة التعاطي مع
الشيطان! محاربته اذا أمكن... او محاورته.
واذا كانت الدعوة الى التشاور تحتاج الى كل الارباك والتعثر فماذا عن
الباقي من محنة الوطن!
|