| علي العزير - أمام ما
تشهده الساحة السياسية اللبنانية من تأزم متواصل ومتفاقم، بات الحديث عن
حيادية مفترضة لوسائل الإعلام، والمرئية منها خصوصاً، أشبه بلزوم ما لا
يلزم. فقد تحولت التلفزيونات إلى منابر خطابية لا تتردّد في إعلان
انحيازها المطلق والعلني إلى فريق دون سواه، أو الأصح في مواجهة سواه من
الأفرقاء المتنازعين. وهكذا، صرنا أمام أحزاب وتنظيمات، وربما ميليشيات
عسكرية مستقبلاً، تنتحل صفة مؤسسات للإعلام.
|
|
ولعل أكثر ما يثير الاهتمام هو تلك البداهة التي تستند إليها
محطات التلفزة في حسم خياراتها، وانخراطها طرفاً كامل الصلاحية في المعركة
الدائرة، من دون أن يرف لها جفن مهني. لكن العامل الأشد استدراراً للدهشة
يبقى في تمادي الإقبال الجماهيري على المحطات المحاربة، مما يفضي إلى
استنتاج من مستوى الفجيعة، مفاده أن بعض الناس لا يبحثون عن المعرفة
الحقة، بقدر ما يشغلهم «الاطمئنان» إلى توثيق مرئي
لـ«حقائق» يظنون أنهم يعرفونها. هكذا تكتمل الدائرة بين جمهور
حريص على «مخزونه» وبين محطات تلفزيونية مشغولة بتسويق الإرث
القبلي، ليصير التطور التكنولوجي في زمن القرية الكونية أشبه بالتفاصيل
الفائضة عن حاجة مضارب عشائرية متنازعة على الماء والكلأ، ومتفوقة في
صياغة معلقات الحداء والهجاء، تنصبها على جدران كعبتها الخاصة، وترددها
بلا كلل، فيزداد إعجابها بذاتها وببلاغتها. سوق عكاظ ضوئي معاصر، يستدعي
استنفار كل مواهب القدح والردح انسجاماً مع حكمة عربية قديمة: «ذُلّ
قوم لا سفيه فيهم»!
تعدّ «المنار»، المكافئ الإعلامي لحزب الله، للأعداء ما
تستطيع من قوة المصطلحات: «الفريق الحاكم» و«الحكومة
الفاقدة للشرعية»، و«(الرئيس) فؤاد السنيورة ومجموعته
الحاكمة». يكفي الإقرار بواحدة من تلك المصطلحات، حتى يكون ما تبقى
من الحكومة في معرض المساءلة القانونية. بات قاموس المحطة مقتصراً على
مفردات تخدم الصراع الذي نذرت نفسها له، وعلى مقولة المهنية السلام. |
أيضاً تلفزيون «المستقبل» هو ملكية عائلية خاصة، وعندما تكون
العائلة المالكة في معرض الخصومة مع أطراف أخرى، كما هو الحال الآن، لا
يعود بوسع تلفزيونها أن يشغل نفسه بمراعاة الأصول المهنية. المبدأ واضح
وهو يعني استنفار المحطة بكل مفاصلها، ضرباً بسيف السلطان، بعدما أتخم
بخبزه الجميع. الكل هنا تعني الكل: الأخبار، شريطاً ومواجز ونشرات وملاحق،
برامج «التوك شو»، وحتى الأعمال المفترض أنها فكاهية، وصولاً
إلى حواجب المذيعات المتقوسة استنكاراً، والشفاه الواربة شجباً.
أما الحديث عن «إن بي إن» فذو شجون، إذ تعاني الشاشة التحاماً
خلقياً مع الرئيس نبيه بري، حتى في الحروف الأولى من اسمه. لا بدّ للصلة
الاستثنائية من أن تفرض نفسها عبر تكريس الالتزام بالتوجهات، والتقيد
بالمزاج الرئاسي الذي يعكس تأرجحاً في المواقف، تصعيداً وتلييناً. المحطة،
كما رئيسها، يكاد ينطبق عليها قول الشاعر: «فيك الخصام وأنت الخصم
والحكم». يحضر الأول فيغيب الثاني، ويعود هذا فيختفي ذاك. لا بد
لمقاربة عقلانية من الإقرار بصعوبة الدور الرمادي القلق الذي تؤديه
«إن بي إن» راهناً.
ليس التحدي الذي يفترض أن «إل بي سي» تخوضه حالياً أقل صعوبة:
في نشرات الأخبار ثمة محاولات لتوخي الموضوعية عبر الحرص على شمولية
التغطية، وعدم استبعاد أي طرف من الأطراف المعنية. لكن برامج الحوار لها
رأي آخر، كذلك الحملة الإعلانية المتمحورة حول المحكمة الدولية وجلسات
التشاور، والموقعة من قبل مواطن لبناني «بيعرف»
و«بيفهم». هنا نصبح أمام خلطة غير متجانسة، بالإضافة إلى
كونها متعذرة على الاستيعاب، ولو قيّض لمواطن لبناني «بيشوف»
أن يخاطب المحطة لتضمن خطابه على الأرجح دعوة حارّة لتفادي التشاطر. ذلك
أن التجارب المتراكمة جعلت السواد الأعظم من اللبنانيين يعرفون ويفهمون ما
يكفي لعدم انطلاء لعبة مماثلة عليهم.
في «نيو تي في» ضجة تفرض رغبة بالتمايز، وهي رغبة مشروعة
استناداً إلى استقلالية مفترضة في المرجعية. إن هذه الاستقلالية بالذات
كانت الأمل الباقي بأن تكون «نيو تي في» منبراً محلياً
«حيادياً» إلى حد ما، ولو «طبشت» قليلاً كفة توجه
سياسي عام للمؤسسة. نميّز بالسؤال «نيو تي في»، كما المحطات
العربية الفضائية، والتي يفترض أن لا «مصالح» مباشرة لها في
الإدارة الإعلامية للأزمة الراهنة في لبنان، وبالتالي يمكنها أن تحفظ
هامشاً ما للخبر ـ الخبر، بدل الخبرة ـ البيان.
تقول مديرة الأخبار في «نيو تي في»، مريم البسام، حول إمكانية
ترجمة ذاتية التوجّه إلى أداء مهني متجرد: «تقتضي موضوعية الإجابة
الإقرار بلا موضوعية الأداء، فالصحافي ليس محايداً بالمفهوم السلبي
للكلمة». وتتابع: «لكن الكلام مثلاً عن عدم تعاون الدول العشر
مع لجنة التحقيق الدولية لا يمكنه أن يمر مرور الكرام»، لتخلص إلى
أن المبالغة في الحياد تكون غير محايدة إذا جاءت على حساب الغريزة
الصحافية في البحث والتقصي. وبلا تردّد تؤكد البسام أن النشرة الإخبارية
في «نيو تي في» لا تستبعد أحداً، «لكن مقدمتها تعبّر عن
رأينا، وهذا حقنا».
عربياً، لم تنجح محاولات متكررة لاستمزاج رأي القيمين على مكتب بيروت
التابع لـ«العربية»، أو تحصيل رد على التهمة الموجهة إلى
القناة بالانحياز لمصلحة فريق 14 آذار في مواجهة أهل الثامن منه، استجابة،
ربما، لأبعاد إقليمية تلقي بظلالها على المشهد المحلي.
لكن مدير مكتب «الجزيرة» في بيروت، غسان بن جدو، يؤكد حياد
محطته إزاء التطورات اللبنانية، وهو ما يشعر به المشاهد فعلاً على الشاشة،
من دون أن ينفي الزميل صعوبة الأمر بسبب التعقيدات المحلية: «هنا
إذا لم تكن مع فريق ما فأنت ضده حتماً»، ويضيف: «لم يتفق
أطراف النزاع في لبنان سوى على اتهامنا بأننا خصوم لهم جميعاً».
ويعترف بن جدو بأن تجربة العمل في الساحة اللبنانية جعلته يتراجع عن رفضه
المبدئي لمقولة «الإعلام المسؤول»، بوصفها من أدبيات الأجهزة
العربية الرسمية: «إن تخلي الإعلام عن مسؤوليته يؤدي أحياناً إلى
كارثة»...
|