| ريما عوّاد - طالما إختبر
اللبناني الهجرة وعايشها طويلاً، منذ أيام الفينيقيين وصولاً إلى القرن
الحادي والعشرين، وسواء أكان مكرهاً يبتغي العيش الكريم أم مغامراً طامحاً
بالمزيد، إلا انه غالباً ما أخفى غصة على محطات من عمره عاشها وحيداً
وشنطة سفر· سفر غالباً ما كلله النجاح، |
|
ولكن ذلك لا ينفي الشعور بالغربة والحنين وصراع الهوية الممزقة
وخصوصاً لدى جيل الأولاد الذين ولدوا في بلاد الإغتراب· ولكن أليس
العيش في الغربة بعيداً عن الوطن أفضل من عيش الغربة والشخص داخل وطنه؟
كيف صار الحديث عن عشرين ألف مهاجرٍ لبناني سنوياً حديثاً مألوفاً؟ ألكثرة
تداوله في معرض الشكوى من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية البائسة؟
أبعد ما يقاسيه المواطن من صعوبة في تأمين لقمة العيش، هل يبقى مستغرباً
أن 48% من المهاجرين لا ينوون العودة؟
حين تتحول الهجرة إلى ضرورة، هل تبقى العودة فعل اختيار؟
إذا كان واقع الهجرة من: أسباب واعداد واعمار وطوائف إلى شرائح اجتماعية
يشملها، بات كثير التداول، إلا ان الحديث عن خصائص المهاجرين والساعين
للهجرة يفرض التحدث بعدة أمور أولها:
إن الهجرة من لبنان هي هجرة اقتصادية وليست طائفية، خصوصاً ان نسب كل من
طائفتي الشيعة والموارنة متقاربة، وحوالى 10% فقط اعتبروا ان سبب هجرتهم
هو أمني أو سياسي· ثانيها: |
ان الطوائف الأقل عدداً ستتأثر ديموغرافياً أكثر من الطوائف الأكبر
عدداً· هذا دون تناسي أمر هام وهو انه إذا استمرت الهجرة بذات
الوتيرة والمعدل: أكثر من 20 ألفاً سنوياً وبذات الصفات الاجتماعية، فان
مشاكل أخرى لا بد وان تظهر عاجلاً، من تناقص النمو السكاني إلى ارتفاع
نسبة شيخوخة الشعب اللبناني، ناهيك عن نزف الطبقة المثقفة وخصوصاً ان
الجامعيين وأصحاب الاختصاص يشكلون النسبة الكبرى من المهاجرين، أما
الساعون إلى الهجرة فأكثريتهم من جبل لبنان، يليهم البقاع وبيروت أما
بالنسبة إلى التوزيع المذهبي فان النسبة الأعلى من هؤلاء هم من السنّة
يليهم الشيعة ثم الموارنة·
الرغبة والمعوقات
تطول لائحة الأسباب التي طالما دفعت باللبناني إلى الهجرة وتتشعب، ومع
تحول الغربة إلى مشكلة تحمل بطياتها معاناة أسرية من ناحية وحلاً لتعقيدات
ومتطلبات الحياة من ناحية أخرى، فان السؤال عن رغبة من يهاجرون بالعودة لا
بد وان يفرض نفسه، لتتعدد الاجابات والآراء·
خياران كلاهما مرّ
بعد الاستفتاء الخاص بمجموعة من عائلات المهاجرين، نجد ان 20% منهم لا
خيار محدّد لديهم و48% لا يرغبون بالعودة، فهل يلامون؟ ولكن هل يشجعون على
قرارهم؟ أمر يحتاج حسمه إلى التفكير ملياً فالخياران كلاهما مرّ·
عدد المهاجرين وتوزعهم الطائفي وفق إحصاء تشرين الأول 2006:
بالعودة إلى الاحصاءات المذكورة فان حوالى 33% لا يرغبون بالعودة إنْ بسبب
تردي الأوضاع الاقتصادية (48% من هذه الشريحة)، أو رغبة وحباً بالتقديمات
الحياتية في الخارج 21.5%، أو حفاظاً على مستقبل الأولاد العلمي والمهني
9.1%، أو لأسباب أمنية وسياسية 8.8%·
وحين يُسألون عن سبب الهجرة تتوزع الاجابات فيشكل غياب فرص العمل السبب
الرئيسي لذلك 70.4%، يليه الرغبة في الحياة والتعلم في الخارج 13/2%،
لتأتي الأسباب الأمنية والسياسية فيما بعد 10.8%، ناهيك عن موضوع غياب
القانون والتنظيم في لبنان واللذين دفعا بـ 5.6% من المهاجرين إلى ترك
البلد·
خلال بحثنا عن آخر الاحصاءات في إحدى السفارات، نلتقي أمامها بعدد من
الشباب الذين يسعون للسفر وهم يأتون إلى المكان منذ مدة لاتمام معاملات
هجرتهم، فتتحدث "هلا" عن "خلو منازل جيرانها من الكثير من شاغليها،
ليضافوا إلى عشرات الأقارب الذين هاجروا منذ حرب الـ 75، فكوّنوا حياتهم
من جديد في بلاد الإغتراب"·
وتضيف: "معظمهم صار بالخمسين وما فوق وهو يحن إلى لبنان وذكرياته التي
عاشها فيه ولكنه لن يعود إليه بعدما استقر في الخارج وباتت حياة أولاده
بأكملها هناك"·
أما "رانيا" فتتحدث عن توزع أعمامها في فرنسا وأميركا وأوستراليا
والبرازيل، بشكل شجع اخوتها الأربعة على الالتحاق بهم والاستقرار هناك
معهم وتضيف: "بعد تخرجي وغياب فرصة عمل لائقة أنا اليوم أسعى للسفر
والبقاء في فرنسا"·
أما "سمر" فتفضل الحديث عن "الإنعكاسات الاقتصادية الجيدة للهجرة بدل
التركيز على سيئاتها على لبنان واستهدافها للكفاءات الجامعية والكادرات
المفكرة"·
وفقاً لمسح سابق أقامته الدولية للمعلومات العام 2001 والذي شمل 1087 أسرة
تضم 5890 فرداً، فان الهجرة أصابت 21.8 من الأسرة اللبنانية·
واذا كانت الهجرة مسيحية قديماً، إلا انها صارت إسلامية - مسيحية خلال
السنوات الخمس عشرة الماضية، وتظهر الاحصاءات ان الفئة العمرية الشابة 20
- 44 عاماً تشكل حوالى 39% من السكان و83% من المهاجرين مما يحمل دلالات
خطيرة ان لجهة تناقص النمو أو لجهة شيخوخة المقيمين·
بعيداً عن لعبة الاعداد وواقع الدول التي وفدوا إليها، فان نظرة سريعة إلى
الساعين للهجرة تظهر تقدم حوالى 10% من اللبنانيين المقيمين إلى طلب
تأشيرات سفر وخصوصاً في ظل الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية
الأخيرة وان 60.7% منهم يسعون للحصول على تأشيرة هجرة، 18.9% منهم يسعون
للحصول على تأشيرة عمل و11.3% على تأشيرة سياحة و9.1 على تأشيرة
للدراسة·
المناطق
يحتل المتقدمون من جبل لبنان المرتبة الأولى 26.6%، البقاع 23.3%، بيروت
22.8% ، الجنوب 15.3% والشمال 12%·
المذهب
يأتي السنّة في طليعة الساعين للهجرة بنسبة 28.2% من اجمالي الساعين
للهجرة، ثم الشيعة 24.5%، الموارنة 19.5%، الارثوذكس 9.5%، الكاثوليك
9.1%، الدروز 6.2% والأرمن 3%·
يشكل الذكور 83% منهم بينما يشكل الإناث 17%·
الفئة العمرية والمستوى العلمي
تبلغ نسبة طالبي التأشيرة ممن هم حتى سن الثلاثين 66% من المجموع العام
فيما يشكل من هم بين الثلاثين والخمسين عاماً، حوالى 34% منه·
الجدير بالذكر ان 60% من المتقدمين بطلب الهجرة هم من الجامعيين، 15% هم
من الحائزين على الشهادة الثانوية، 14% حائزين على الشهادة المتوسطة، 7%
ابتدائي وما دون، 2% حائزين على شهادة تعليم مهني وحوالى 2% هم من حائزي
الشهادات في الدراسات العليا·
تأتي كندا في طليعة الدول التي يرغب اللبناني بالهجرة إليها 51.5%، تليها
الولايات المتحدة 17%، أوستراليا 14.1%، فرنسا 5%، المانيا 4.1%، السويد
2.5%، البرازيل 1.7%، سويسرا 1.2% أما باقي الدول فيرغب بالسفر إليها
حوالى 3% من طالبي الهجرة· ويشكل اصحاب المهن الحرة طليعة
المتقدمين بطلب هجرة 21.7%، ادارة الأعمال والتسويق 13.3%، المهندسون
12.8%، الموظفون والاداريون 9.9%، علوم الكومبيوتر 8.9%، الطلاب 7.9%،
التجار 5.9%، المحامون 4.9%، اصحاب المؤسسات 3%، الصيادلة 2.5% والمهن
الأخرى المختلفة 9.2%·
إذا كان الحديث عن خصائص المهاجرين والساعين للهجرة يطول، إلا ان ذلك لا
يلغي ضرورة تذكر أمور عدة·
تبعاً للتقديرات الأوروبية والأميركية فان نسبة لا تتجاوز 7% كحد أقصى من
الزائرين والطلاب يتحولون إلى مهاجرين شبه دائمين، وغير رسميين، مما يرفع
إجمالي عدد المهاجرين فعلياً إلى هذه الدول· أما بالنسبة إلى معظم
الدول العربية والافريقية فان الوضع يختلف، وخصوصاً ان أنظمة وقوانين هذه
البلاد لا تسمح بتجنيس القادمين مما دفع العديد من العائلات إلى البقاء في
لبنان واقتصار الهجرة على معيلها فقط·
ويذكر ان نصف المهاجرين هم من المتزوجين فيما لم يرافق سوى 33.3% منهم
عائلاتهم· وتشكل محافظة الجنوب النسبة الأكبر من المهاجرين بقصد
العمل 39.2% تليها محافظة جبل لبنان 27.5% ، فالبقاع 12.8% فالشمال 11.1%،
فبيروت 9.9%، وتشكل دولة الامارات المكان الأول الذي قصده 28% من
المسافرين اللبنانيين بقصد العمل، ثم افريقيا 27%، السعودية 23%، الكويت
15%، أما الدول الأخرى الأوروبية واللاتينية والخليجية فلا تمثل سوى 7%
منها·
إشكالية الرقم
طالما تباينت أرقام المهاجرين وتحولت إلى تقديرات وأداة من أدوات اللعبة
السياسية والطائفية المحلية، وطالما كانت هناك قطبة مخفية بين احصاءات
المغادرين والقادمين· ويبقى ان الحديث عن الهجرة يُحيلنا إلى
الكثير من الأرقام التي لا تستطيع إلا ان تغفل عدد المهاجرين غير
الشرعيين· أرقام يبقى التعاطي معها اشكالية في ظل غياب احصاءات
رسمية دقيقة، يستعاض عنها بجهود شركات الإحصاء، احصاءات الدول المقصودة
بالسفر والاتصال بالسفارات··
فغريب كيف يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في احصاء ولكنه بالتأكيد ليس كذلك
عند حبيبة تنتظر بالدموع عودة الحبيب، ولا عند أب مسن مازال ينتظر وينتظر،
على أحرّ من الجمر ودون كلل أو ملل، عودة ابن وحفيد·
|