|
هكذا يبدو «المشهد الانتاجي» اللبناني بعد اقرار
«الورقة الاصلاحية» التي تزيد الطين بلة بالنسبة الى جيش
الفقراء.
الصورة على المستوى الاقتصادي والمعيشي هي على النحو الآتي: المؤسسات
الاقتصادية منهكة تعاند الشلل وعبثا تحاول الوقوف على رجليها, الشباب
يهاجر طمعا بمرتب ينقذه وعائلته من شبح الفقر الذي يهدد معظم اللبنانيين,
جيوش من العاطلين من العمل 44% منهم عمرهم بين 15 و24 عاما, اي ان نصفهم
من المتخرجين الجدد.50% من اللبنانيين غير مشمولين بالتأمينات الصحية,
يعانون وجعاً كبيراً عند ابواب المستشفيات إذا لم يؤمنوا الاموال اللازمة
لاستشفائهم. أما على المستوى الرسمي فإن الحكومة وكما الحكومات المتعاقبة
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي, تدير الاذن الطرشاء لصراخ الناس وعويلهم,
وهمها الذي كان قبل عشر سنين اعمار البلاد , تحول حاليا الى هموم البحث عن
سبل التخلص من الدين العام الذي ناهز الـ40 مليار دولار.
كل أوراق الاصلاح التي انتقلت من حكومة الى حكومة بحثت عن مخارج لهذه
المعضلة, وكانت زيادة الضرائب والرسوم إضافة الى الخصخصة الحل الاسهل
لواضعي هذه الاوراق, الذين لم يلحظوا سبل تعزيز القدرة الشرائية للمواطن
المستهلك, ليلبي حاجاته الاساسية, |
على الرغم من أن هذه
الورقة اعترفت بزيادة نسبة الفقراء ومحدودي الدخل من 47% في العام 1995
الى 54% في العام 2004.
في الوقت الذي تتراجع مداخيل اللبنانيين على نحو خطير نتيجة تثبيت الحدّ
الأدنى للأجور منذ العام 1996 وازدياد الضرائب غير المباشرة والتضخم,
الامر الذي ادى إلى تراجع للقدرة الشرائية, يقدره خبراء الاقتصاد, بنحو
40% خلال الاعوام العشرة الأخيرة, جاءت الورقة الاصلاحية لمؤتمر
«باريس 3» وما تضمنته من ضرائب ورسوم لتزيد الطين بلة, خصوصا
انها لم تلحظ اي زيادة للاجور معتمددة في ذلك على نسب النمو المتوقعة
والتي يمكن برأيها ان تؤدي الى زيادة فرص العمل. فخطة الحكومة تنص وفقا
للورقة على رفع الفائض الاولي بنسبة 10% تدريجيا خلال سنتين والمحافظة على
هذا المستوى لمدة غير محددة. لكن وبما ان القدرة الشرائية للمواطنين
مرتبطة بشكل عكسي بالفائض المنوي تحقيقه , فإن ذلك يعني ان المستوى
المعيشي للمواطنين سينخفض بنسبة مماثلة اي 10%, بمعنى آخر سيخسر
اللبنانيون كل سنة من قدرتهم الشرائية ملياري دولار اميركي. وستؤدي هذه
الخطوة وفقا للجنة النقابات في «التيار الوطني الحر», الى
تحميل اللبنانيين فاتورة تساوي %10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات ستأخذ
هذه الفاتورة شكل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الفوائد ورفع
الدعم على البنزين وتجميد الإنفاق في القطاع العام. وعلى الرغم من ان
المكتب الاعلامي لوزير المال جهاد ازعور طمأن لاحقاً ان هذه الفاتورة لن
تتعدى بمجملها 1,2 مليار دولار تدريجا على خمس سنوات وأن «المستوى
المعيشي للمواطنين مرتبط على نحو ايجابي بتطور النمو وزيادة معدلاته
وزيادة حجم الناتج المحلي بأضعاف هذه المبالغ الذي يؤدي إلى ايجاد فرص
العمل الجديدة», إلا ان هذا لا يخفي حقيقة ان هذه الورقة الاصلاحية
في محورها الاجتماعي لا تحمل نظاما للتأمين ضد البطالة, واجراءات لمعالجة
التفاوت بين المناطق في تقديم الخدمات الاجتماعية وهي لا توفر فعليا شبكة
امان اجتماعية للفقراء.
ويجمع الخبراء الاقتصاديون في لبنان على أن ثمة تفاوتا حادا بين الحد
الادنى للاجور او دخل الاسرة من جهة وبين متطلبات الحد الادنى من العيش من
جهة ثانية. فحجم الدخل لدى اللبنانيين ليس في مستوى انفاقهم لسد حاجاتهم
المعيشية. وهذا التفاوت بين الاجر ومتطلبات المعيشة, لبنانياً, تثبته كذلك
الدراسات والاحصاءات التي تنفذها الدولة او جهات دولية ومحلية اخرى بين
حين وآخر. وتبين مجمل هذه الاحصاءات ان 87% من الأسر في بيروت يقلّ دخلها
الشهري عن مصروفها اليومي. ووفق الدراسات الدولية عن ظروف المعيشة الغالية
التي يرزح تحت وطأتها اللبنانيون اليوم, فإن اللبناني الذي يقدر دخله بنحو
800 دولار اميركي, يعتبر دون الخط الاعلى للفقر, بدليل ان الارقام عن
اسعار الاستهلاك بين عامي 1994 و1998 شهدت ارتفاعاً صاروخياً بلغت نسبته
70% في اربع سنوات, وبقي الارتفاع مستمراً منذ ذلك الحين ولو بوتيرة أقل,
في ظل تدني مستويات الاجور, وجمود الحد الادنى منها طوال هذه الفترة...
وحتى يومنا هذا.
وتتفاقم تكلفة الاعباء المعيشية نتيجة الغلاء في اسعار المواد الغذائية
واللحوم والمحروقات وأسعار الخدمات المزدوجة بين الفاتورتين كهرباء ومياه.
وهذه التكلفة فاقت كل نسب السنوات الماضية, حيث تشير دراسات بعض المصارف
ومصرف لبنان الى ان نسبة التضخم خلال الاشهر التسعة من العام الماضي بلغت
6 %. ومقدر لها ان تفوق الـ8 % مع نهاية العام 2006 باعتبار ان طريقة
احتساب تثقيل سلة الاستهلاك ما تزال تعود لما قبل الستينيات, وهي لا تأخذ
في الاعتبار تغير نمط الانفاق من الدخل, حيث تأكل تكلفة التعليم والصحة
والنقل ورسوم الخدمات اكثر من 60 % من دخل المنتجين في العائلة او اصحاب
المداخيل المتوسطة والمتدنية. بمعنى آخر ان هذا الامر يعني ان الاجور
والمداخيل للعمال والاجراء تراجعت بحدود الـ 8% تقريباً في العام 2006. مع
الاشارة الى ان تراكمات التضخم بلغت منذ العام 1996 وحتى اليوم اكثر من
45%, خسرتها الاجور منذ ذلك التاريخ, وبصورة تراكمية ومن دون اي زيادة او
تحسين عليها, مع تراجع التقديمات وتزايد البطالة.
جنون الاسعار
ما ان اشتم التجار رائحة الضرائب في الورقة الاصلاحية والتي من المفترض ان
تأخذ مفعولها في العام 2008 , حتى ارتفعت اسعار السلع الاستهلاكية بشكل
لافت ومن دون أي مبرر أو تدخل من أصحاب القرار في السلطة, علماً ان أكثر
السلع يستوردها لبنان من الخارج ولم تلحظ اي زيادة في الاسعار. وقد اعتمدت
جمعية حماية المستهلك مؤشرا جديدا للاسعار ينحصر في 159 سلعة مقسمة على 11
فئة وهي من نوع المواد والخدمات الاستهلاكية اليومية, وقد لاحظت الجمعية
كما أكد رئيسها زهير برو لـ«الكفاح العربي» ارتفاعا للاسعار
نسبته 13.69 % من أول تموز يوليو 2006 الى آخر تشرين الثاني نوفمبر من
العام نفسه.
اما نتائج دراسة المكتب الفني لسياسة الأسعار في وزارة الاقتصاد والتجارة
لمؤشر اسعار سلة المواد الغذائية والاستهلاكية المثقل خلال شهري تموز وآب
2006 مقارنة بشهر حزيران 2006 فقد لفت الى ان مؤشر اسعار السلة الغذائية
والاستهلاكية سجل ارتفاعاً عاماً في الأسعار خلال شهري تموز وآب 2006
بنسبة كبيرة بلغت 6,34%. فيما حافظ المؤشر على الارتفاع العام في الاسعار
خلال 2006 €من 1€1 وحتى 31€8€2006€ بنسبة بلغت 10,70 %.ويعود هذا الارتفاع
على نحو أساسي الى احداث تموز 2006 من حرب وحصار مما انعكس على اسعار
السلع المحلية والمستوردة.
ولا يرى برو اي علاقة لحرب تموز بارتفاع الاسعار التي عزا اسبابها الى
تراجع دور الدولة في الاقتصاد اللبناني والخلافات السياسية المستفحلة,
«في السابق كانت الدولة تحاول السيطرة على الفلتان اما اليوم
فالفوضى مستشرية. بدليل ان لا مبرر لزيادة الاسعار إذ انه لم يعد هناك
مشكلة متعلقة بتكلفة النقل او خطورته كما في ايام الحرب. اضافة الى ان
كمية المواد الغذائية التي دخلت لبنان في اطار المساعدات تكفي لفترة
سنتين». ولكن غياب الدور الرقابي للدولة في ظل المعمعة السياسية
الحالية عزز آليات الاحتكار التي تجعل الاسعار تكبر مثل كرة الثلج, وهذا
ما يحدث اليوم في قطاعات عدة, ولم يعد احد قادرا على ضبطها». ومن
الاسباب المباشرة برأيه ان السياسات المتعاقبة للحكومات اللبنانية أتت
لمصلحة القطاع المصرفي والسياحي في حين بقيت قطاعات اخرى من زراعة وصناعة
مهمشة. «اضافة الى السياسة المالية والضرائبية المتبعة, مما ادّى
الى فوضى اقتصادية».
ومطالب الاتحاد العمالي العام قديمة متجددة, وحتى الآن لم يتحقق منها شيء.
وما قراره بالنزول الى الشارع الا تعبير عن سوء الاحوال الذي وصلت اليه
الطبقة العاملة, على الرغم مما شابه من انتقادات واسعة في ظل الانقسام
السياسي الذي تشهده البلاد. وابرز هذه المطالب هي «إيلاء المسألة
الاجتماعية والحياتية في الاهمية اللازمة واتخاذ القرارات المناسبة في
شأنها بالتنسيق والتعاون مع الاتحاد العمالي, واعتماد الدراسة التي قدمها
الاتحاد والتي تطلب رفع الحد الأدنى للأجور الى 600 ألف ليرة, وتصحيح
الأجور عن الاعوام العشرة الماضية بنسبة 47 % القائمة على سلة الاستهلاك
الحقيقية التي يدفع المواطنون مقابلها من أجورهم الشحيحة».
تحت هذه العناوين المطلبية إضافة الى رفض ورقة الحكومة الاصلاحية يأتي
تحرك الاتحاد العمالي العام وذلك بعد فترة طويلة من الانكفاء عن الشارع,
إلا انه «بعد إعلان برنامج «باريس 3» الذي يتضمن عناوين
ضريبية وأعباء, لم يعد بمقدور الاتحاد السكوت عما يحصل, وخصوصاً أن سياسات
الحكومات المتعاقبة أوقعت أكثر من نصف الشعب اللبناني في الفقر وتحت خط
الفقر, في حين ان الحكومة الرشيدة أدت إلى أن يصبح لبنان البلد الأغلى في
إنتاج الطاقة. أما الإصلاح فلا يكترث لدعم المؤسسات الاجتماعية, بل في
تدفيع اللبنانيين ضرائب مضاعفة».
الا ان ما يضعف تحرك الاتحاد العمالي هو الانقسام السياسي الذي يلف البلاد
والذي يلقي بظلاله على الحركة النقابية. فالاصطفاف النقابي والعمالي بات
واضحاً على الجبهات السياسية, على الرغم من تأكيد رئيس الاتحاد العمالي
غسان غصن أن تحرك الاتحاد العمالي مستقل عن المعارضة التي أعلنت مشاركتها
في تحرك الاتحاد العمالي ودعمها له, في حين ان اتحادات نقابية منضوية في
إطار التكتل النقابي المستقل زارت رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة,
وأعلنت رفضها المشاركة في الاعتصام مؤكدة دعمها له. لكنه اعترف بأن
الاتحاد «كان مقصراً في السابق, ونأى بنفسه حتى لا يفسر نشاطه
سياسياً, وأراد أن يحصر وضعه في المسألة الاقتصادية».
والتردي في الوضع النقابي وما يشهده الاتحاد العمالي من تشرذم انعكس
تواضعاً في المشاركة في الاعتصامات بالقدر الذي يمكن ان يجبر الحكومة على
إعادة النظر في ورقتها الاصلاحية التي سترفعها الى مؤتمر «باريس
3» مما يضع تحرك الاتحاد العمالي في خانة رفع العتب.
والواضح ان التحرك الشعبي الخجول لن يجدي نفعا, فيما المسؤولون يندفعون
الى السير قُدُماً باجراءات الخصخصة وخفض الانفاق العام وزيادة ايرادات
الخزينة كشروط يقتضي تحقيقها للحصول على الدعم الدولي المطلوب للبنان, قد
توفر التمويل الدولي المطلوب للدين العام اللبناني, لكنها لن تؤدي الى
زيادة مداخيل اللبنانيين.
|