untitled
viviti
ندوة سياسية بمناسبة ذكرى تحرير صيدا ومحاولة اغتيال النائب مصطفى معروف سعد
20 كانون الثاني 2006
أقام الصالون الثقافي السياسي في ساحة الاعتصام في رياض الصلح، ندوة سياسية بمناسبة ذكرى تحرير صيدا ومحاولة اغتيال المغفور له النائب مصطفى معروف سعد، ألقى خلالها منسق التواصل الفكري والسياسي في التيّار الوطني الحرّ الدكتور ناصيف قزّي مداخلة قال فيها:

إسمحوا لي، بداية، أن أقرأ عليكم ما كتبته يوماً واصفاً اجتياح الغزاة للبنان في حزيران من العام 1982:
التنّين
"صارت الصخورُ غبارًا. تبخَّرت المياهُ عن وجهِ الأرض... والبشرُ صورٌ محفورةٌ على الإسفلت.
أمطرت الطائراتُ الأرضَ حمماً. قتلت البوارجُ‎‎‎‎ الأسماك... ومدافعُ الدبَّابات دَكَّت المدينة.
السماء رعدت، الأرض هدرت... وغرقَ في اللهبِ الظلام. لم تكن تَكفينا، في تلك الليلةِ الجهنميَّة، كلُّ المُسكِّنات.
كَان ذلك في شهر حزيران عام إثنينِ وثمانين وتسعمايةٍ وألف، عِندَما إجتاحَ أحفادُ داوودَ لبنان، بحثاً عن أحيرام ونسلِ أحِيرام؛ فسطَّحوا تُخومَ الجَنوب، ذبحوا أطفال الكنعانيَّة في صيدا، ودمَّروا كلَّ المعالمِ والحصون.
إنَّه التنِّين... والثورةُ بالمرصاد...!
قصفت البنادقُ الطائرات، وكَمَّت السواعدُ أفواهَ المدافع... وحدها الأجساد أعاقت تقدُّم الدبَّابات.
إنَّه التنِّين... والثورةُ بالمرصاد...!
هرب غولييت نحو البادية، فارتبكَ الحُرَّاس. عَلق بعضهم في الأسلاك والممرَّات، وبعضهم وصل الى مرفأ المدينة.
خرجنا من الجحيم على هدير الطائرات وقصف البوارج والطوَّافات. وما أن وصلنا الى الحازميّة، عبر الجبل، حتى تسارعت الأنباء عن سقوط المواقع، الواحدِ تلو الآخر.
دخل الغزاةُ أرضَ الإمارة، وعادت الفرقُ والأشباحُ تبحثُ عن العصافير.
تقدَّمَت أرتالُ الدبَّابات نحو المدينة... فاحتجبَت عاريةً في النور.
كان بعضُها على الشرفات، وبعضُها في المخابىء، عندما ضربَ الهديرُ طوقاً حول العاصمة.
فاجأ التِنِّينُ بيروتَ... تلك "المولودةُ من أفروديت"، "إبنةُ الزبد"، فوق "كتاب الشرائع"؛ بيروتُ التي "إستحمَّت بالرياح الأربع المتنقِّلة بين جميع المدن لتملأ الأرض مبادىء"؛ بيروت التي لم تكشف صدرها إلاّ لبوزيدون، إله البحر؛ بيروت... "الأخت التوأمُ للزمن، المعاصرة للكون"، والتي حصَّنت نفسها "بسُور لا يهتزُّ من القوانين".

فاجأ التِنِّين بيروت... وكان الخضر غائباً... وأعينٌ كانت الرماح.
دخلت الدبَّابات... سحلت الأيدي الأصابع، ومزَّقت بعضها الأنيَاب...!؟
الثورة رحلت، والمدينةُ وقعت في الأسر...
جثم التِنِّين على صدر بيروت، مزَّق براءتها... واغتصب الهواء.
من يعيد للمدينة براءتها؟
مات هنيبعل وأسر فخرالدين... وعلى سترتها البيضاء اقترع أهل الحرب.
من يُخرج بيروت من فم التِنِّين؟ بيروت التي بالأمس، أوقعَ أيروس، بقوسه، كبار الآلهة بحبِّها... فكان "الصراع الخالد" بين بوزيدون، إله البحر، وديونيسوس، إله الكروم؟

من يُخرج بيروت من فم التِنِّين؟
أإلهُ البحر أم إله الخمر؟ أَأدونيس أم باخوس؟ أم "إبنة الزبد"؟
غرقت بيروت... لم تغرق بيروت. سحبت من صدرها الطاهر سكيناً... وأخرجت من خدرها التِنِّين.
مات التِنِّين... لم يمت التِنِّين!
دخل الأزقَّة ليلاً. حطَّم كلَّ الصناديق المكدَّسة... والعربات. قتل المتسوِّلين وباعة اليانصيب... فامتلأت أقبية البؤس بالجثث.

مسكينة بيروت، "عروسة البحر"، لم تعد تقوى على الوقوف. جثت على قارعت الطريق، فوق ألواحها المحطَّمة، وشرائعها المتناثرة، ومن حولها الينابيع دماً يفور... جثت أمام أعين الأرض والسماء، تندب حالها.

وظلَّ التِنِّين يلفظ الحمم والنار، حتى خرجت الأفاعي والثعابين، فملأت البلاد فحيحاً وسموماً، وزرعت الرعب في قلوب العباد.
ولم تخرج الدبَّابات إلا بعد أن حرثت حقول الفتنة، وبذرت النار. ثمَّ أوكلت الى الفرق والأشباح موسم الحصاد... وكان الحصاد دماً ودموعاً... وهجرة ديار".
*
بعد بيروت، كان الإنسحاب الأول من الجبل عام 1983... وكانت حرب الجبل... وما أدراك ما حرب الجبل وما خلفته من مآسي لم تنته فصولاً بعد...!؟

وكان الإنسحاب الثاني من صيدا، عام 1985... وكانت محاولت اغتيال المناضل الكبير النائب مصطفى معروف سعد... لتسقط يومذاك ناتاشا... عروسة الشهداء.
لماذا مصطفى سعد إبن الزعيم الوطني الكبير الشهيد معروف سعد؟

مصطفى سعد، إبن الإرث النضالي المشهود، هو رمز من رموز مقاومة هذا التِنّين... هو الذي رفض أن ينساق الى أي شكل من اشكال الفتنة الطائفية آنذاك، وبالتالي تحقيق رغبة هذا التِنِّين بالحرب.
وهذا الموقف، ألم يكن هو نفسُه موقف معروف سعد، نصير الفقراء والمهمشين والصيّادين، في بدايات الحرب اللبنانية القذرة؟
ألم يقف معروف سعد، قبل مصطفى، ضد المؤامرة على لبنان... يوم كان يجول على قرى الجوار، والمسيحية منها بالتحديد، ليهدِّء الخواطر والنفوس؟

اليست هذه هي صيدا معروف ومصطفى وأسامة سعد، صيدا المقاوِمة الصادِقة... صيدا التي قدّمت العشرات من الشهداء على مذبح الوطن... وإن أنسى، فلا أنسى من بينهم شهداء الغزو الصهيوني عام 1982، وبخاصة الشهيد رشيد بروم وزوجته سعاد عبدو وطفليهما غسان وسامية، وكذلك الجدّة، والدة المناضل الصديق غسان عبدو.

أذكر انه عندما أصيب مصطفي في انفجار الغدر والخيانة ونقل الى العلاج في الولايات المتحدة بصحبة شقيقته، كانت أول رسالة وجهها الينا: هي دعوته المسيحيين للعودة فوراً الى قراهم في شرقي صيدا...

أجل إيها الإخوة، مصطفى سعد بالنسبة الينا هو العملاق الذي وقف، كما كل الشرفاء، في وجه المؤامرة المستمرة على لبنان.
ويعلم بعضكم أنه، يومذاك، كان طُلب الى مصطفى بأن يؤجّل طرح هذا الموضوع الآن...!؟ ثم كانت الجرافات... وكان هدم المنازل... وشق الطرقات...

واسامة سعد نفسه، حامل مشعل تلك العائلة الصيداوية النبيلة بعملها في الحقلين السياسي والإجتماعي، ألم يحاول وقف التعديات؟ وقد عرَّض نفسه مراراً للخطر، مع رفاق كرام، لا ننسى من بينهم المناضل النقابي الكبير حسيب عبد الجواد.

هذا بعض مما يمكن أن نتذكره، نحن وإياكم... رفاق مصطفى واصدقاؤه ومحبوه.
وإذ نذكره اليوم في ذكرى تحرير صيدا من العدو الإسرائيلي، نذكِّرُكم ايها الكرام، بما أفصح به دولة الرئيس العماد ميشال عون في المهرجان المشترك الذي اقمناه مع التنظيم الشعبي الناصري في صيدا في الثالث عشر من أيار عام 2006.

لقد عبّر العماد عون، يومذاك، عن محبته لصيدا وأهلها، وعن بالغ تقديره لشهدائِها كافة ولا سيما لعميدهم الزعيم معروف سعد... مؤكداً أن "ما يجمعنا واياكم هي تلك الأصول الشعبيَّة المشتركة التي نتحدر منها"... تلك الكلمة التى ردّدت اصدءها، قلعة المقاومة، مدينة البرتقال التي استضافت، على ما قاله النائب اسامة سعد، بطيبتها وطيبها، التيّار البرتقالي... فكان العقد والعهد بأن نسير معاً في إعادة تأسييس بنيتنا السياسيَّة وترميم ما لحق بمجتمعنا من عثرات.
لقد باعدت الحرب يوماً بين أناس عشقوا العيش معاً... لكن، والحمدالله، أن الناس عادوا بعد تهجير... فتحقَّق ما رغب به أبو معروف وعمل لأجله.

تأتي الذكرى هذه السنة بعد حرب تموز العدوانية والتي حاولت إعادت التنين ليؤرقنا، من جديد، من الداخل كما من الخارج... غير أن إنتصار المقاومة البطولي وصمود شعبنا العظيم أفقد العدو فرصة إعادة عقارب الساعة الى الوراء... وكانت الهزيمة التاريخية، لا بل الإستراتيجية، والتي ما زلنا نشهد تداعياتها.

أما ما نرجوه معكم اليوم، أيها الإخوة والأخوات، فهو أن يُحسِن أصحاب السلطة، والمتسلّطين على القرار السياسي، والراهنين الوطن الى وصايات ومسارات قد لا تكون لصالح وحدته وسلامة شعبه؛ أَن يُحسنوا قراءة ما يجري، وأن يعودوا الى الشراكة الحقيقية التي لا قيامة للبنان بدونها. فبهذه الشراكة يمكننا اجتناب كل المخططات والمؤامرات، من الفرز المذهبي والطائفي، الى التوطين والتقسيم، وكل ما من شأنه أن يحقِّق ما لم يسطع تحقيقه أعداء لبنان.

Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com