| نبيل هيثم - ما تكشـّف عن
حَجب عشر دول للمعلومات المفيدة للتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس
رفيق الحريري، يبعث على طرح «لماذا» اتهامية تجاه هذه الدول،
وايضا «لماذا» مماثلة تجاه الجهات المعنية مباشرة بهذه
المسألة في الداخل اللبناني، سواء المرتبطة بها بصلة سياسية او بصلة قربى،
|
|
حول إغماض العيون وصمّ الآذان عما تكشـّف، والتعاطي معه كأنه
يعبر تسللا من الجهة الخلفية... وايضا حول «نوبة الغضب» التي
انتابت بعض النواحي الاكثرية، بعد «سؤال مسؤول» عن سر الصمت؟!
اللافت ان الصمت الاكثري مطبق على كل المستويات، كأنّ ثمة توجيها ما بعدم
تناول هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، خلاف الحال في جانب المعارضة،
التي تبدو كمن فاز بصيد ثمين، وقررت اعتبار الموقف الروسي المطالب بتحديد
هذه الدول بمثابة «إخبار» تضعه في يد كل من يعنيهم الامر، كما
قررت جعله مرتكزا لهجوم مضاد على الفريق الحاكم، وبسلاح «الحقيقة...
الحقيقة»، وليس «الحقيقة... الشعار».
في رأي المعارضة ان الفريق الأكثري، سقط في امتحان الحقيقة، وتفيد بذلك
قراءة لركن بارز فيها، يعرب عن بالغ الريبة من السلوك الاكثري حيال الدول
المعطلة للتحقيق. فالتقرير الاخير للمحقق الدولي سيرج برامرتز صدر قبل
منتصف كانون الاول الماضي، وأشار بوضوح الى عدم تعاون عشر دول مع طلبات
التحقيق، ومن دون ان يسميها. لكن الجانب الاكثري لم يعر اهتماما، ولم يصدر
عن حكومة فؤاد السنيورة ما يفيد بأنها مكترثة، علما بأن من الطبيعي جدا،
في بلد قامت حكومته على قضية اغتيال الرئيس الحريري، |
ان يكون رد الفعل الفوري،
إن لم يكن كما كان تجاه ما قاله القاضي الالماني ديتليف ميليس عن عدم
تعاون سوريا، فأقله بمستوى دعوة مجلس الامن الدولي لدى مناقشة التقرير،
الى تضمين قراره فقرة خاصة تطالب الدول المعنية، بوضع ما بين ايديها من
معلومات في تصرّف التحقيق عملا بالقرار 1636 الصادر عن مجلس الامن.
المعطيات المتوفرة لدى الركن البارز في المعارضة تفيد بأن روسيا اجرت ما
يمكن تسميته بتحريات، بيّنت لها ان الدول العشر المعنية، هي «نادي
اصدقاء حكومة السنيورة»، وهي ذاتها الراعية لـ«باريس
3». كما ان روسيا حاولت دعوة حكومة السنيورة الى المشاركة معها في
اثارة عدم التعاون امام مجلس الامن، وفشلت مرتين، قبل واثناء زيارة
السنيورة الى موسكو، ولذلك قررت السير منفردة بالامر.
حكومة السنيورة، نفت تلقيها اي طلب، لكنها، والكلام للركن المعارض، بقيت
في مواقفها وسلوكها تؤكد مضمون ما تـُتـَّهم به من رفض لكشف الدول غير
المتعاونة، على طريقة النفي في معرض التأكيد، وواصلت حملتها لعقد
«باريس 3»، وهي تعلم انها لن تستطيع الضغط على الدول غير
المتعاونة لتغيير موقفها، ما دامت مَدينة لهذه الدول بتلبية المشاركة
المطلوبة ماليا في انجاح «باريس 3»، في ظل انقسام سياسي داخلي
يدفع اي دولة الى التردد في المشاركة، ولم تسأل الحكومة، كما لم تُجب عن
سؤال: كيف تكون هذه الدول في آن واحد، معرقلة للتحقيق، وحريصة على لبنان
الذي تقول حكومة السنيورة انها تبنيه على خلفية معادلة كشف الحقيقة في
اغتيال الرئيس الحريري؟
وفي الآن ذاته ـ يضيف الركن المعارض ـ تبين لروسيا من الرفض الفرنسي
والاميركي لطلبها الكشف عن الدول غير المتعاونة، ان قرار عدم التعاون، هو
قرار سياسي، اخذته مجموعة من الدول العربية والغربية واسرائيل، تقف اليوم
في حلف سياسي معلن يسميه الاميركيون حلف المعتدلين، وهو ذات الحلف الذي
ظهر في عدوان تموز. وما يثير القلق هو ان الدول غير المتعاونة، هي ذاتها
التي تقود التحرك للتسريع بقيام المحكمة الدولية، والاصرار على نقل مرجعية
التحقيق الى هذه المحكمة، قبل انتهاء التحقيق، وبصورة تعزز افتراض ان عدم
التعاون يستبطن نية للتلاعب بمجرى التحقيق والاستخدام السياسي للاتهامات.
بناء على ما تقدم، تخلص قراءة الركن البارز في المعارضة الى جملة
استنتاجات:
اولها: ان الموقف الروسي في ما لو تمت الاستجابة له، يحمي الحقيقة، ويشكل
من ناحية ثانية تحديا، لا بل ادانة واضحة للدول غير المتعاونة، ويضعها
جميعا، ومن دون استثناء، في قفص الاتهام.
ثانيها: ان عدم تعاون الدول العشر يكشف حلف المستفيدين من الجريمة،
والمستثمرين لمفاعيلها. ويكشف ايضا ان الاستثمار على الجريمة لم يكن فعلا
عفويا، بل كان جزءا من خطة تتعهد جانبا اساسيا منها هذه الدول، وقد شهد
لبنان فصولا متعددة منها منذ اغتيال الرئيس الشهيد، وحتى عدوان تموز.
ثالثها: ان الربط بين كون هذه الدول غير المتعاونة مع التحقيق، هي ذات
الدول المستعجلة على المحكمة بدلا من التعاون مع التحقيق، يكشف اهداف
المحكمة، وبالتالي يسمح برفع شعار «لا محكمة قبل انتهاء التحقيق،
ولا لنقل مرجعية التحقيق الى خارج مجلس الامن الدولي قبل الوصول الى نتائج
حاسمة تسمح ببدء المحاكمات بناء على الادلة والوقائع، وبعد ضمان التعاون
التام من كافة الدول المعنية»، وهذا يفرض تعديلا على خطاب المعارضة
يرفض علنا اقرار اي نص للمحكمة قبل انتهاء التحقيق، وضمان زوال العوائق من
امامه.
رابعها: ان الربط بين كون الدول غير المتعاونة مع التحقيق، هي ذات الدول
الممولة لـ«باريس 3»، والداعمة بالتالي لحكومة فؤاد السنيورة،
يقدم هذه الدول كطرف في النزاع المنتهك لشأن سيادي ، بينما ما يريده لبنان
هو بداية رفع الحظر عن التعاون مع التحقيق، وتفسير موقفها المعطل لمعرفة
الحقيقة، التي يبدو انها من الآن فصاعدا، ستصبح مطلب المعارضة وحدها، ولا
سيما انها تشعر بخطر يحدق بهذه الحقيقة، ولذلك ترى وجوب حمايتها ، وتحديدا
من الدول غير المتعاونة.
خامسها: كشف تهاون الحكومة في هذا الملف، عن ان ما يعنيها من الحقيقة
والتحقيق والمحكمة، لا يتعدى الاستثمار السياسي. وبالتالي ثمة خوف حقيقي
من وجود ثمن سياسي لـ«باريس 3». ومن وجود ما يمكن اعتباره
«شراء للصمت» عن غير المتعاونين مع التحقيق لقاء مساهمتهم في
المؤتمر. وإلى جانب ذلك، هل ثمة بيع سياسي للمحرمات، والحقيقة ضمنها، وهل
ثمة ضمانة بعدم وجود بيع سياسي سابق او لاحق يطاول التوطين ورأس
المقاومة... وغيرهما؟
سادسها: بات من اولى واجبات المعارضة ان تعيد صياغة شعاراتها مقابل شعارات
الفريق الحاكم التي حددها بـ:المحكمة ـ «باريس 3» ـ القرار
,1701 بحيث تؤكد ان السيادة الوطنية هي سقف القرار ,1701 وأن التوافق
الداخلي شرط نجاح «باريس 3»، والأهم من كل ذلك التمسك
بالتحقيق حتى النهاية قبل المحكمة، إذ من دون انتهاء التحقيق، لن تكون
المحكمة الدولية الا اطارا سياسيا لتهريب الحقيقة وتصفية الحسابات.
ويخلص الركن البارز في المعارضة الى افتراض مفاده: لو كنت اكثريا ملتزما
بشعار الحقيقة، لسارعت فورا الى استنفار حكومة السنيورة في وجه العالم
كله، طالبا فضح هذه الدول أياً كانت، ولما توانيت لحظة عن امتطاء واحدة من
طائراتي الخاصة، ودرت كل انحاء العالم، بحثا عن المعرقلين، ولما تورعت عن
مطالبة «الصديق الحريص» جاك شيراك بتفسير لعدم تعاونه مع
التحقيق؟!
|