| ادلات بيطار - وسط
التجاذبات السياسية والاجتهادات الدستورية «الطارئة» باتت
العودة اليوم الى الدستور اللبناني «الاصيل» احوج ما يحتاجه
معظم الشعب اللبناني للاحتكام الى مواده القانونية لاجل وضع حدّ للخروقات
المتمادية التي تطعن باتفاق الطائف وتضعه مشرعا امام «مهب
الريح». |
|
وازاء الخطاب السياسي المستعصي عن حل الازمة السياسية الحاصلة
اصبحت الاستعانة برجالات القانون ضرورة لوضع النقاط على الحروف والاشارة،
استنادا الى مواد الدستور، الى مختلف الخروقات الدستورية الحاصلة من اهل
السلطة والحكم.
فكانت مواد الدستور ونصوص القوانين فحوى الحديث الذي اجرته
«الديار» مع النائب السابق والمرجع القانوني مخائيل الضاهر
والذي سجل فيه العديد من الملاحظات القانونية التي تشوب اداء السلطة
السياسي واصفاً اياه «بالفوضى الدستورية والقانونية» داعيا
الحكومة الى «وقفة ضمير» لانها المسؤولة عن البلد وتعرف انه
يغرق وينهار ولكنها تتفرج»، واضعا العرائض الاتهامية المتبادلة
للموالاة والمعارضة في اطار اللعبة السياسية حيث يطغى عليها الطابع
السياسي، معتبرا ان الحكومة الحالية تتصف «باللاشرعية
واللادستورية» بحسب مواد الدستور ولكنها في الوقت نفسه، لا يمكن
اعتبارها مستقيلة، بل هي قائمة استنادا الى المادة «69» من
الدستور.
|
وانطلاقا من الدستور شرع
الضاهر في تفنيد واقع الحكومة والازمة السياسية التي حصلت منذ استقالة
الوزراء الشيعة من السلطة لان هذه الاستقالة افقدت الحكومة تمثيل طائفة
بكاملها، وفي هذا الاطار، اوضح الضاهر ان الدستور نص على مرحلة انتقالية
يمر فيها لبنان تستبق الوصول الى مرحلة اقرار الغاء الطائفية السياسية،
حيث نصت المادة «95» من الدستور «وفي المرحلة
الانتقالية تمثل الطوائف بصورة عادلة في الحكومة، وبحيث ان لبنان ما زال
يعيش هذه المرحلة الانتقالية والتي لا يمكن لاحد ان يحكم فيها نسبة الى
مقولة اكثرية واقلية بل بتوافق بين كل الطوائف، وتأكيدا لذلك ورد في
مقدمة الدستور في الفقرة «ي» انه لا شرعية لاي سلطة تناقض
ميثاق العيش المشترك»، فكل هذه المواد المذكورة اعلاه، وبحسب
الضاهر، تؤكد على ان الحكومة في شكلها الحالي وبعد انسحاب كل الوزراء
الشيعة من الحكومة، اكثر من ذلك، هي بأصل تشكيلتها تفتقد لتمثيل طائفة
اخرى وهي الطائفة المسيحية حيث ان الانتخابات النيابية افرزت نتائج
مغايرة تماما لواقع الحكومة ازاء الوجود المسيحي فيها، اذا ان الحكومة
تفتقد لتمثيل شيعي بالكامل والى التمثيل الماروني الكبير ولذلك ان
الحكومة تتصف «باللاشرعية واللادستورية».
لا شرعية ولكن قائمة ...
ولكن حال «اللاشرعية واللادستورية» للحكومة الحالية لا تجعلها
في حكم المستقيلة. وفي هذا المجال يوضح الضاهر بأن المادة
«69» من الدستور نصت على حالات ست يمكن على اساسها فقط
اعتبار الحكومة مستقيلة، ففي حال استقالة رئيس الحكومة او بوفاته او اذا
فقدت اكثر من ثلث اعضائها، او عند بدء ولاية رئيس الجمهورية او عند بدء
ولاية مجلس النواب او عند نزع الثقة منها من قبل المجلس النيابي، ففي حال
تحققت احدى هذه الحالات الست فقط يمكن اعتبار الحكومة مستقيلة وبما ان
هذه المادة لم تتضمن ان اللاشرعية واللادستورية» هما حالتان تؤديان
الى استقالة الحكومة اذا الحكومة الحالية هي «قائمة».
ولكن يرى الضاهر ان بعض المواقف السياسية التي صدرت مثل موقف رئيس
الجمهورية وهو كان محقا عندما وصف الحكومة باللاشرعية واللادستورية وموقف
رئيس المجلس النيابي ايضا منها الى مواقف عدة من شخصيات حزبية وسياسية
وقانونية اضافة الى موقف شريحة كبيرة من الشعب اللبناني يجب ان تشكل عامل
ضغط على الذين بيدهم تحصل استقالة الحكومة.
وبالعودة الى ضغط الشعب تناول الضاهر التظاهرة المليونية التي حصلت في 10
كانون الاول المنصرم، فقال :«هناك تظاهرة حشدت مليوناً ونصف مليون
مواطن لبناني وكان ما زال هناك اكثر من مليون بقي في منزله، فذلك يعني ان
اكثر من نصف الشعب اللبناني نزل الى الشارع وقال للحكومة «انتِ لا
شرعية ولا دستورية» وذلك يعني عمليا ان الشعب سحب ثقته من الحكومة
وهذا يتطابق مع نصّ الفقرة «د» من مقدمة الدستور والتي تنصّ
على ان «الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات
الدستورية». فالمتظاهرون سحبوا ثقتهم من الحكومة وبالتالي اصبح
بقاء الحكومة ايضا مخالفة دستورية اخرى لأنها لا تتمتع بثقة الشعب ولذلك
هي لا دستورية فعلا، ولكنها قائمة تتمتع بالصلاحيات التي خوّلها إياها
الدستور للقيام بمهامها العادية.
وفي ظلّ ما تقدّم من قبل «الموالاة» و«المعارضة»
من عرائض إتهامية بحجة خرق الدستور أشار الضاهر الى ان هناك خطأ في تقديم
عريضة اتهام الحكومة بخرقها الدستور لأن الحكومة لا تتهم بذلك بل
بالخيانة العظمى والإخلال بالواجبات المترتبة عليها.
فأعضاء الحكومة لا يحلفون اليمين الدستورية لدى تسلمهم مهامهم، بينما رئيس
الجمهورية يتهم الى «الخيانة العظمى» ايضا بتهمة «خرق
الدستور» وهذا ما نصّت عليه المادتين «60»
و«70» من الدستور حيث تقول المادة «60» أنه لا
تبعة على رئيس الجمهوية في حال قيامه بوظيفته الاّ عند خرقه الدستور او
في حال الخيانة العظمى». اما المادة «70» فتقول
«أن لمجلس النواب ان يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم
الخيانة العظمى او لإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم. وقد تناول الضاهر
الاسباب المتهم فيها رئيس الجمهورية بخرقه الدستور حيث لم يوقع على مرسوم
دعوة الهيئات الناخبة في ما خصّ انتخابات المتن الفرعية فأوضح ان هذا
المرسوم العادي، وبحسب الدستور، مخوّل للتوقيع عليه ثلاثة مسؤولين وهم:
رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية ولكل واحد من هؤلاء الثلاثة
الصلاحية بالتوقيع عليه او عدمه. وعمليا يعني ذلك لكل منهم حق
«الفيتو» وبالتالي عدم صدور المرسوم وإن عدم توقيع رئيس
الجمهورية عليه هو ليس بخرق للدستور بل هو مارس حقا من صلاحياته التي
كفلها الدستور.
أما الحكومة فهي متهمة بالإخلال بواجباتها لأنها لم تقرّ موازنة الدولة
على مدى سنتين حيث ينصّ الدستور وفي المادة «83» منه انه وفي
بداية كل سنة من عقد تشرين الاول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة
بنفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة» وبما ان الحكومة لم تفعل
ذلك فهي قد خرقت الدستور ولكن يجب القول أنها اخلّت بواجباتها.
وتعليقا على هاتين العريضتين يرفض الضاهر تسميتها «مزايدات»
انما يضعها في إطار تبادل التهم السياسية وضمت اللعبة السياسية مؤكدا انه
ومنذ إقرار المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لم تجر محاكمة احد من
المسؤولين امام المجلس الاعلى بل كان هناك محاكمة واحدة حصلت امام لجنة
تحقيق خاصة فيما خصّ الوزير السابق شاهي برصوميان.
«هرطقة ومهزلة»...
وعمّا يثار حول دعوة نائب رئيس مجلس النواب لعقد جلسة للمجلس النيابي نفى
الضاهر قطعيا ان يكون هناك اي نصّ دستوري صريح قد تضمّن على هذا الحقّ
لنائب رئيس المجلس والرئيس موجود، شارحا مضمون المادة «6» من
النظام الداخلي لمجلس النواب التي تنصّ على نائب رئيس المجلس النيابي
يتولى صلاحيات الرئيس في حال غيابه او عند تعذره القيام بمهامه».
ولكن المادة «54» المختصة بجلسات المجلس النيابي وهذا نصّ
خاص حيث جاء فيها يعيّن الجلسة رئيس المجلس او نائبه عند تعذّر الرئيس
القيام بمهامه اذا وطبقا للقوانين ان تعيين الجلسة يحصل بدعوة من الرئيس
او نائبه فقط في حال كان الرئيس متعذراً وليس غائباً وبما ان الرئيس نبيه
بري غير متعذّر حالياً عن القيام بمهامه بل هو يمارس نشاطه السياسي بافضل
ما يكون، فان حالياً حق تعيين الجلسة يعود فقط الى الرئيس برّي. لان
المادة «54» وهي جاءت في نصّ خاص تتقدم بالاولوية على المادة
«6» والتي اتت في سياق نصّ عام.
اذا وبحسب الضاهر، نائب الرئيس ليس له الحق، اطلاقاً بدعوة المجلس النيابي
للانعقاد معتبراً ذلك هرطقة ومهزلة، محذراً في حال حصول ذلك الاجتماع ان
في داخل المجلس النيابي او خارجه فذلك يعني في حال حصوله، ان الموالاة
تفتح الباب على ازمة سياسية كبيرة لان هذه المادة اصبحت ميثاقية. ويضيف
الضاهر في مجلس الوزراء للرئيس وحده الحق بتعيين الجلسة ولم يسمح لنا في
الطائف بذكر اي صلاحية لنائب رئيس الحكومة وذلك عاد ربما لاجل الحفاظ على
صلاحيات رئيس الحكومة السنيّ، بينما رئيس المجلس النيابي له وجود وبعض
الصلاحيات ولكن وبعد ان باتت صلاحيات رئيس المجلس الشيعي ميثاقية لا
يمكننا اليوم القول اننا سنحوّل هذه الصلاحيات فذلك يعني «خراب
البلد» ولذلك قال الرئيس برّي «ان هذه الجلسة فيما لو حصلت
ستؤدي الى خراب البلد»، لان في ذلك كله تعدّيا على المواقع
الميثاقية.
المحكمة الدولية
ولعلّ الموضوع الادسم التطرّق اليه هو «المحكمة الدولية» وفي
هذا المجال يؤكد الضاهر ان المحكمة الدولية هي معاهدة بيت الدولية
اللبنانية والامم المتحدة وبالتالي ان ابرام المعاهدات حصرها الدستور في
صلاحيات رئيس الدولة اللبنانية حيث نصّت المادة 52 على الحق الحصري
والمطلق لرئيس الجمهورية بالتفاوض في عقد المعاهدات الدولية وابرامها اي
بالتوقيع عليها وهو المخوّل ولتحويلها الى مجلس النواب والا في حال لم
يوقع عليها رئيس الجمهورية كما في حال المحكمة الدولية فهي لا زالت تحمل
صفة «المسودة» وليس «المعاهدة». وعدم عرضها على
رئيس الجمهورية كان المخالفة الاولى للحكومة التي لم تكتف بهذه المخالفة
بل قامت بمخالفة ثانية وهو تحويلها الى مجلس النواب نطراً لاهمية موافقة
الاخير على المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولية
والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة فلا
يمكن ابرامها سنة بعد سنة، لذا ان موافقة مجلس النواب على المحكمة الدولية
ضرورية واساسية لانها اولاً تتضمن مترتبات مالية على الدولة اللبنانية
للتجديد، وبما ان المحكمة الدولية لا زالت في اطار مشروع قانون فان
الدستور كفل لرئيس الجمهورية وحده احالة مشاريع القوانين من مجلس الوزراء
الى مجلس النواب، وذلك بحسب المادة «53» من الدستور. وعلّق
الضاهر على امتناع الرئيس برّي عن استلام هذا المشروع بانه «فعل
حسناً» لانها لا تحمل اولاً توقيع رئيس الجمهورية وثانياً ليست
محالة للمجلس عبر الرئيس.
هذه الحالة القانونية والتي وصفها الضاهر «بالفوضى الدستورية
والقانونية» حمّل فيها المسؤولية للحكومة التي تعرف ان البلد ينهار
ويغرق وهي تتفرّج، فاذا كانت غير قادرة على تخليص البلد من الازمة
الحاصلة فلتعترف انها غير قادرة ولتستقل وكل التهويلات الحاصلة لا تحلّ
المشكلة بل هي كجرعات اسبرين وليست حلاً جذرياً، معتبراً ان البلد منقسم
وذاهب الى الاسوأ داعيا الحكومة الى ان تقوم بوقفة ضمير وان تتحسّس
بالمسؤولية وتأخذ الموقف الذي ينقذ «البلاد والعباد».
|