untitled
viviti
كيف انحدرنا إلى هنا؟... كيف نخرج من هنا؟
حسام عيتاني - 12 كانون الثاني 2007
الاسطر الآتية هي حصيلة لقاءات مع اربعة قياديين من القوى السياسية الرئيسية المعنية بالأزمة الراهنة، تناولت سؤالين نرى انهما حظيا بمعالجات غلب عليها الصخب وضجيج السياسة اليومية ولم ينالا نصيبا مستحقاً من التفكير والتبصر. السؤالان هما: كيف وصلنا الى هذا الدرك من أزمتنا الوطنية؟ وكيف نخرج منها؟

غني عن البيان ان الهدف من طرح السؤالين ليس استعادة تأريخ كرونولوجي لتطور الازمة الراهنة ولا استحضار البرامج المتباينة التي وضعتها الفئات التصارعة كتصورات للخروج من الحالة التي يشكو اللبنانيون منها، بل توفير صورة تتجاوز في عمقها ما يُقدم يومياً الى المواطنين عبر وسائل الاعلام.

كان من المستحسن ان نطرح السؤالين في ندوة او حوار يشترك فيها ممثلو القوى المعنية، غير ان المناخ السيئ السائد في البلاد وانعدام الثقة بالاطراف المقابلة، الذي يعلنه مسؤولو الاحزاب على الملأ، والخشية من ان يتحول اي لقاء موسع الى مباراة في التذكير بالمواقف اليومية ما يهدد بضياع الهدف المرتجى من طرح هذين السؤالين، جعلت من الأجدى التنقل بين القياديين ولقاءهم كل على حدة. والقياديون الاربعة هم (بحسب ترتيب اجراء اللقاءات) الدكتور غطاس خوري عن «تيار المستقبل»، والدكتور أنطوان حداد من «حركة التجدد الديموقراطي»، ونواف الموسوي من «حزب الله» وطوني نصر الله من «التيار الوطني الحر».
لا يطول الحديث حتى تظهر نقطة الاختلاف الأولى في تشخيص اسباب الازمة، وقد كان الاتفاق متوفرا بشأن التاريخ التقريبي لبدايتها اي منذ التمديد للرئيس اميل لحود ومن ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مع التأكيد على ان الدور السوري في لبنان قد أصبح على المحك منذ التحرير في العام 2000 وبات مرفوضا من جانب الولايات المتحدة تحديدا منذ غزوها للعراق ودخولها كلاعب مباشر في الشرق الاوسط بعدما كانت تتولى الحفاظ على مصالحها من خلال الحلفاء والاصدقاء.

خوري

ويرى خوري ان الاميركيين لم يكونوا في حاجة ولا قادرين على التوصل الى اتفاق جانبي مع السوريين بشأن لبنان، وهو ما لم يفهمه الحكم في سوريا ما أدى الى الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي دفعت الى «انتفاضة الاستقلال». من ناحية ثانية، يتابع خوري، ان الامور ظلت من ضمن المتعارف عليه على الساحة اللبنانية، الى ان دخلت قوة اقليمية جديدة هي ايران فصار هناك معادلة تضم ايران وسوريا في مقابل القوى التقليدية: أميركا واوروبا وروسيا. وفي ظل المعادلة هذه ابدى النظام السوري اهتماما حصريا بالمحكمة الدولية في حين ان الايرانيين مهتمون بايجاد مساحة لهم في الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

ضمن هذه المعطيات التي يشير اليها خوري، كانت الاهداف المعلنة لحرب تموز هي تحرير الاسرى والارض ثم اختفى هذا الطرح ليقال «اننا نستطيع حل» المشكلات مع اسرائيل. واختفى الاهتمام بمزارع شبعا وحل مكانه التركيز على اسقاط حكومة فؤاد السنيورة والاتيان بقوى أخرى.

ويقول اننا صرنا امام نقاش حول جنس الملائكة، اذ انها المرة الاولى التي ينزل فيها فريق الى الشارع من أجل اسقاط الحكومة او توسيعها والاحتفاظ بذات البيان الوزاري. ضمن هذا الواقع، أصبح دون طرح الحلول من داخل التركيبة اللبنانية صعوبات جمة، وبعد حرب قضت على أكثر من ألف شهيد ودمار، لا يجتمع المجلس النيابي، ثم يجري اعتصام يشل البلد ولا يجتمع المجلس ايضا. وتقدم عريضة من 70 نائبا تطالب بعقد دورة برلمانية فترفض العريضة. هذه بعض السمات التي يعلن استحالة ايجاد حلول داخل المعادلة اللبنانية.

وبالعودة الى الوضع اللبناني وآفاق الخروج من الازمة الحالية، يقول ان القوى السياسية صعّدت خطابها الى حدود التصادم غير انه توجد رغبة عند اللبنانيين بعدم الوصول الى هذا الحد، كما ان المجتمع المدني والاهلي غير متحمس لخوض حرب أهلية جديدة. وهناك ما يدعو الى وجود مبادرة جديدة تحمل هواجس اللبنانيين، وخصوصا ان فريقا يشعر بحساسية تجاه المحكمة الدولية وعلينا ان نأخذ الهواجس هذه بعين الاعتبار، وأن نكرس تنفيذ القرار ,1701 ونعيد ادارة السلطة من دون الافساح في المجال امام نجاح الانقلاب الذي يحاول البعض القيام به، مذكّرا بأن المسيحيين كانوا مهمشين طوال فترة النفوذ السوري لكنهم لم ينقلبوا على الحكم.

وحول الانتخابات النيابية المبكرة يخاطب المعارضة قائلا: انكم لا تملكون أكثرية الثلثين وإذا أجرينا انتخابات نيابية الآن فلن يحصل اي من الطرفين على الثلثين. ويوضح خوري انه يدرك قدرة القوى والطوائف على التعطيل لذلك يدعوها الى اعادة ترتيب السلطة، لأن اي طرف لن يستطيع الحكم بمفرده. أما إذا انشأ اللبنانيون السلطة على شكل جمعية تديرها الطوائف فجميع الجهات ستتعرض للخسارة.

وكمخرج من الازمة طرح خوري اعادة ترتيب الاوضاع الداخلية ضمن موازين القوى وفتح قنوات اتصال جديدة، وسحب موضوع المحكمة الدولية من التجاذب، لأن الدول الكبرى مصممة على انشائها وهي لم تعد قرارا لبنانيا، ما يهدد بأن يعتبر مجلس الامن الدولي لبنان دولة لا تستطيع القيام بأمورها.

وفي حال أقرت المحكمة وفق البند السابع من ميثاف الامم المتحدة نكون كلبنانيين قد فتحنا على انفسنا باب مشكلة كبيرة جدا. ويقترح خوري سحب مسؤولية اقرار المحكمة الدولية من المجلس النيابي لأن فريقا من اللبنانيين غير قادر، على ما يبدو، على احتمالها.

ويطالب خوري الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بالتقدم بمبادرة ترسم الطريق الى الحل كونه هو من يقود الفريق «الذي يمتلك دولة ضمن الدولة»، وعليه ان يقترح تصورا لكيفية تعايش هذه الدولة مع الدولة اللبنانية.

حداد

يشدد الدكتور انطوان حداد على البعد الاقليمي لما جرى في حرب صيف ,2006 وهو العام الذي تميز بجمود المبادرة عند قوى 14 آذار وانتقالها الى يد حزب الله سواء على مستوى الصراع مع اسرائيل او في الداخل، اي مع التغيير الكبير الذي مثلته الحرب بغض النظر عن القراءة «التقنية». وهذه قراءة سياسية وليست أخلاقية، وتقول ان حزب الله مسؤول مباشرة عن الحرب وهو بادر بعد الحرب الى فتح الازمة الحالية. وحتى لو جربنا أحكام القيمة، فقد كنا من موقع قوى 14 آذار في موقع المتلقي للحدثين وفي موقع رد الفعل، حتى لو كان هذا الموقع هجوميا، ووضع حواجز اساسية امامهما.

ويضيف حداد ان حزب الله لا ينكر انه جزء من منظومة اقليمية وهذا فارق اساسي مع قوى 14 آذار المتهمة بعلاقات عضوية مع «الخارج»، في حين ان ما يربط الحزب بإيران ليس سراً سواء لناحية العلاقة الايديولوجية (ولاية الفقيه) او تلك التمويلية. ولا يدعي أحد، حكما، ان قيادات الحزب قاصرة عن تسيير الادارة اليومية لشؤونها. وهذا فارق آخر مع 14 آذار. وحتى أكثر الاطراف انفتاحا بينها على الخارج كتيار المستقبل لا تقيم هذا النوع من العلاقة العضوية. أما البقية من الاتهامات عن ان «عوكر حلت مكان عنجر» فهي «صفّ كلام».

ويدعو حداد الى قراءة الاحداث بتمعن في المنطقة، وعلى المستوى الاقليمي كان السياق حافلا بحيث يستطيع المرء ان يلاحظ رابطا كبيرا بين الصدام الاميركي ـ الايراني وتطورات الاحداث في لبنان من دون الوقوع في فخ الرابط البوليسي او التحليل البوليسي. ويمكن ان تكون الجملة الافضل تعبيرا عن الواقع هي جملة مرشد الجمهورية الايرانية آية الله علي خامنئي عن ان اميركا «ستُهزَم» في لبنان.

ويرى ان ذلك كله يترافق مع التطورات في الملف النووي الايراني وصدور القرار 1737 المتعلق بفرض عقوبات على ايران، لذا انتقل الايرانيون الى حالة هجومية. وعليه، من الصعب قراءة ما يجري في لبنان بقواعد ومعطيات محض لبنانية، على الرغم من ان هذه القواعد وجه من وجوه الازمة. الوجه الآخر هو ضعف بنية النظام اللبناني وسهولة الانتقال الى استقطابات حادة ومذهبية، لكن هذا الثابت في المعادلة اللبنانية وليس المتحول، وهذا ليس بكشف. فالطوائف لم تظهر أمس، لكن اضيف اليها التوتر الاقليمي المرتفع.

وعن رؤيته الى المخرج يرى حداد ان التوافق الاقليمي الكبير يصنع حتما حلا في لبنان، مشددا على ان التوافق هذا لا يصنع حلا نهائيا، معتبرا ان الحل الافضل يقوم على تسويات، فليس هناك من أقدار في لبنان بل ينبغي اللجوء الى قدر من «الارادوية»، وهناك هامش أكيد. لكن السؤال هو: هل يوافق الفرقاء المختلفون على الحل، وتحديدا الفريق المبادر، أي حزب الله؟ وإذ يؤكد رفض قدرية انتظار الخارج وانتظار حصول توافق كبير بين القوى الدولية والاقليمية، لأن هذا الانتظار يجعل البلد يعيش محكوما بمراوحة طويلة جدا في الزمن، هذا اذا لم نقارب ما هو أخطر من المراوحة.

ويحدد الشروط اللازمة للحل بأنها الحد الأدنى من الاقتناع عند القوى الاقليمية بأن التسوية المطروحة هي أمر ايجابي ويمكن للفرقاء اللبنانيين الذين يتمتعون بعلاقات خارجية ان يؤدوا ادوارا فيها. ويشير الى ان موقف الأكثرية من موضوع السلاح حاليا هو تجميد البحث فيه عمليا بعد المعادلة التي ارساها القرار 1701 والتي لا يملك اي طرف القدرة على تغييرها حاليا.

ويقر حداد بصعوبة ايجاد حلول جذرية للنظام اللبناني في عجالة هذه الأزمة، لكن ذلك لا يجب ان يحول دون ايجاد تسوية تعيد قدرا من الهدوء والاستقرار. ومن ثم هناك ضرورة الى اعادة الاعتبار الى القواعد الدستورية للعبة وللمؤسسات، فهناك اتساع كبير في تفسير الدستور بين الفريقين اللبنانيين. ويحض على الكف عن اضفاء صفة الفداحة والجذرية على الاختلاف وضرورة الاتفاق على المحكمة الدولية لأن ابقاء هذا الباب مفتوحا سيعتبر جرحا بالنسبة الى اللبنانيين ويعطي الانطباع بأن فئة منهم تخضع للضغوط السورية بالنسبة الى المحكمة، وهذا أمر مؤذ جدا للعلاقات اللبنانية ـ اللبنانية حيث لا يجوز ان تنشأ المحكمة لاحقا ويبدو كأن قسما من اللبنانيين غير مساهم بشكل فاعل في قيامها.

الموسوي

يستهل السيد نواف الموسوي الحديث بإبداء المرارة الشديدة حيال أداء قوى 14 آذار اثناء الحرب الاسرائيلية الاخيرة على لبنان مقدما المزيد من التفاصيل للاتهامات التي كان الامين العام للحزب قد وجهها اثناء كلمته في المعتصمين في ساحة رياض الصلح في السابع من كانون الاول الماضي. ويتساءل عن المعنى الذي يمكن ان يكتسيه أي حوار او نقاش يضم حزب الله والاكثرية.
وبغض النظر عن النقطة التي بدأت منها الأزمة الراهنة، يرى الموسوي ان حرب الصيف الماضي قد اسقطت الاقنعة عن عدد من القوى اللبنانية المنضوية في 14 آذار، ودفعته هو شخصيا الى حالة من التقزز من الطريقة التي تعاملت فيها الحكومة وقوى الأكثرية مع الحزب ومع المقاومة اللذين كانا يتعرضان لحرب تصفية وتدمير اسرائيلية. لذلك، كشفت الحرب عمق الاختلاف في النظرة الى لبنان على مستوى الدولة والمقاومة، وحتى حق فئة سياسية رئيسية في مناقشة جدية لمشروع المحكمة الدولية.

ويتساءل الموسوي عن الجهة المرتبطة فعليا بمشروع اقليمي ودولي: أهي المقاومة التي واجهت حربا كانت تهدف الى الحاق لبنان بركب المشروع الاسرائيلي والاميركي، ام هي الأكثرية التي تعترف بتلاقيها السياسي وحتى اكثر من السياسي مع اهداف المشروع الاميركي للمنطقة وفي المقدمة منه أمن اسرائيل. ويقلل من اهمية ما يحكى عن العلاقات التي يقيمها الحزب مع سوريا ومع ايران، معتبرا ان العلاقات هذه علنية خلافا للعلاقات التي تقيمها قوى الأكثرية مع الولايات المتحدة. وتعطي هذه الرؤية انطباعا بضآلة حجم ما يحكى عن التزام حزب الله «بالمحور الايراني ـ السوري». بل ان الموسوي يذهب الى حد التأكيد ان الحزب يتصرف في الموضوع اللبناني السياسي باستقلالية تامة.

ويوضح في المقابل، ان التزام فريق 14 آذار بعدد من التعهدات التي كان قد قطعها امام جهات دولية في اعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ساهم في انعدام قدرة الفريق المذكور على اتخاذ القرار السياسي، معيدا الى الذاكرة حوادث تتصل بإفشال الورقة التي تم الاتفاق عليها في المملكة العربية السعودية وطريقة انهاء التحالف الرباعي وافشال الحوار ومن ثم التشاور.

ويقول الموسوي ان بعضا من المواقف التي اتخذتها قوى الرابع عشر من آذار ظل محيرا الى ان اتضحت خلفياته في حرب تموز التي شهدت انحيازا من قبل بعض قيادات هذه القوى الى جهة العدو يصل الى درجة الخيانة. وان ما دعت اليه قيادة حزب الله في اعقاب الحرب لتشكيل حكومة وحدة وطنية كان تنازلا كبيرا من جانبها حيال ما كان يفترض بها ان تطالب به. ومع ذلك، اكتفى الحزب بالدعوة الى اعادة النظر في الوضع الحكومي، فإذا بالاكثرية ترفض الفكرة وتلجأ الى التحريض المذهبي والطائفي ضد حزب الله والمقاومة.

وينفي ان تكون المحكمة الدولية موضوعا خلافيا بسبب الموافقة الاجماعية التي حظيت بها الى مائدة الحوار، لكن محاولة فرضها على طريقة «التشاطر» جعلت الحزب وحلفاءه يتمسكون بحقهم في التعبير عن هواجسهم المشروعة حيالها.

اما المخرج فيجب ان يجري التوصل اليه عن طريق الحوار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، على الرغم من كل الاعتراضات العميقة على الفريق الآخر، نافيا رغبة الحزب في الانتقاص من حقوق اي طائفة وخصوصا الطائفة السنية، معيدا التأكيد ان المقاومة لن تكون جزءا بأي حال من الاحوال في اي اقتتال مذهبي.

نصر الله

يعيد طوني نصر الله التذكير بأن التيار الوطني الحر كان قد تقدم في تشرين الثاني من العام ,2004 اي قبل الانسحاب السوري، بدعوة الى اللبنانيين لتنظيم علاقاتهم مع بعضهم والعلاقات اللبنانية ـ السورية. ويشير الى ان الدعوة قوبلت بالسخرية من البعض على اعتبار ان السوريين لن ينسحبوا او من خلال رفع شعار «دعوا السوريين ينسحبوا ونحن نتفق مع بعضنا». ويتابع ان التيار الوطني الحر كان يرى انه بعد 15 عاما من الحكم السوري المباشر، فإن السوريين سيتركون أكثر من لغم، سواء عمدا او من غير قصد. من هذه الالغام السلاح الفلسطيني وسلاح المقاومة والهدر والمشاركة الحقيقية في السلطة والقوانين الانتخابية التي وضعها السوريون للإبقاء على سيطرتهم على البلد.

ويتابع انه بعد الانسحاب السوري في العام ,2005 اعتقد البعض انه يستطيع ابقاء امساكه بالبلد معتمدا على دعم غربي من دون ان يقوم بانتاج ارضية او رؤية جديدة للمشكلات المذكورة. وحصل التحالف الرباعي الذي خرج من رحم المصلحة الآنية في الانتخابات من دون الاتفاق على الجوهر وصدرت كلمات تتحدث عن «السلاح المقدس»، وظهرت التحالفات خاصة في الجبل والبقاع. وبعد انتهاء الانتخابات وتشكيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، يقول نصر الله، ساد نوعان من الخطاب: الأول يتحدث عن سلاح المقاومة والمشاركة والاصلاحات؛ والثاني خارجي يتحدث عن عكس ذلك. عندها وقع التهميش الأول لفئة لبنانية اعتقدت انها لن تهمش بعد الانسحاب السوري، لكن للأسف تعمق التهميش.

ويقول ان اللبنانيين كانوا يعيشون في ظل نوع من التذاكي على الداخل وعلى المجتمع الدولي، غير انه كان مقدرا ان يصطدم التذاكي هذا بعدم المقدرة على تنفيذ التعهدات المقطوعة الى الخارج بسبب التركيبة اللبنانية الدقيقة. وعندما حان موعد دفع الحساب الخارجي ولم تستطع قوى الاكثرية ذلك، انفك عقد التحالف الرباعي. وكان رأي التيار الوطني حينها ان تتغير حكومة السنيورة. ثم جاء عدوان تموز ليؤكد على اختلاف الخيارات بين حزب الله و14 آذار، وفي الوقت ذاته استمر تهميش تكتل التغيير والاصلاح والذين يمثلهم، سواء عبر التعيينات او عبر تعطيل المجلس الدستوري عن سابق تصور وتصميم.

أدت هذه المعطيات وتشبث الموالاة بموقفها ورفضها تقديم ضمانة الى حزب الله، بحسب نصر الله، الى جانب غياب عامل الثقة بين المجموعات الاساسية التي تكوّن لبنان، الى الاصطدام الذي نعيشه حاليا. ومن مظاهر أزمة الثقة المستمرة من نيسان 2005 حتى الآن ان المجموعة التي حكمت لبنان طوال 15 عاما تحاول ابقاء سيطرتها على البلد.

اما بالنسبة الى رؤيته الى المخرج، فيقول نصر الله ان التيار الوطني والمعارضة عموما جربا بناء جسور تفاهم سواء عبر وثيقة التفاهم مع حزب الله وهي ليست سورية ولا ايرانية، ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية محايدة تتولى انتاج قانون انتخاب يمثل اللبنانيين تمثيلا عادلا ضمن الطوائف ولا يضيع الاصوات وإجراء انتخابات نيابية مبكرة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وبعد ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية.

ويشير نصر الله الى ان ما تقدم عبارة عن مخرج آني يسبق الانصراف الى الاتفاق على دور لبنان وموقعه الخارجي وعلاقاته ووضعه الاقتصادي، لاعادة انتاج حياة سياسية طبيعية ما يتيح ازالة التشنج والقولبة الراهنة ضمن الطوائف وإزالة امساك الزعامات الاحادية بالكتل الطائفية الكبرى.

ويعرب عن اعتقاده أن تكبير المشكل يهدف الى استبعاد الحلول من دون ان ينفي ذلك وجود مشكل اقليمي. في المقابل لا ينبغي ان يكون التوتر الخارجي سببا لاقصاء اطراف محلية بل دافع الى ايجاد تصور لسياسة خارجية ليست في معزل عن المنطقة التي يعيش لبنان فيها.

٭٭٭

يتيعن في الختام الاقرار بأن نبرة السجال السياسي اليومي ظلت هي الطاغية في الآراء الواردة اعلاه. ولعل في ذلك عبرة تفيد في تلمس عمق الانقسام السياسي أو ربما الى قلة حيلة اللبنانيين حيال تيارات عاتية لا تتوقف عند حدودهم، ولا يقيمون، بدورهم، سدودا في وجهها.

Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com